بإرثها اللاتيني المحمّل بالصدوع والاحترابات، وطأت صيدا تروخيو الأراضي الفلسطينية للمرة الأولى عام 2013، بغية المساهمة في فعاليات «مسرح الحرية» على أطراف مخيم جنين. منذ ذلك الحين، تبدل كل شيء في وجهة الفنانة الكندية- الغواتيمالية التي تشربت أسس المسرح الجسدي باكراً. في عرضها «اربح الحرب أو اروِ لي قصة» (تأليف وأداء: صيدا تروخيّو ــ إخراج: جيسيكا والينفلز) الذي شهد مخاضه الأول بين أزقة الضفة الغربية، تلاقِح تروخيو بين الوجع الفلسطيني الآني، والشتات الغواتيماليّ من خلال استعراض جسدي حرّ، مبتدعةً بذلك مظهراً حداثوياً وخاصاً للمقاومة والتمرد في وجه «قوى الاستبداد المهيمنة».

كيف لآلام الحروب أن تستحيل متعةً بصريةً وحسية شاملة؟ تساؤل تطرحه تروخيّو في عرضها الحركي المنفرد الذي تستضيفه «دار النمر» اليوم بالتعاون مع «بيت الفنون والحكاية» و«مركز المعلومات العربي للفنون الشعبية ــ الجنى». بعد تصديها لإشكاليات مماثلة في أعمالها السابقة كـ «نشأتُ مكسيكية» (إخراج آمبر سكالسكي)، «يمين، فوق، يسار» (2005)، و«أوراق الموز» (1997) مثل الاشتباك الفردي مع الهوية وجدوى الأواصر الإنسانية، والأدوار الجندرية التي تكم سيرورة الأفراد، تسترجع الممثلة الشابة تجربتها الوجيزة في فلسطين (دامت أربعة أشهر). تعيد صقلها في قالب أدائي يتسع لأشكال فنية عدة: ارتجالات حركية، رقصات حرة يرافقها سرد قصصيّ وشعريّ تارة، ومناجاة غنائية درامية طوراً. «بما أنني أنحدر من جذور غواتيمالية، لم تكن الوقائع الحياتية الاعتيادية التي شهدتها خلال زيارتي لفلسطين غريبةً. إلا أن تعديات الاحتلال واضطهاده للسكان العزّل كان بمثابة صدمة لم أستطع المداواة من أثرها حتى الآن». في خلاصتها المونولوجية، تترك تروخيّو الجسد متهادياً على غاربه، في ظل توازن حركي وإيقاعيّ متين. فالجسد هنا هو الغاية، لا الوسيط.
كثيرة هي الحكايا التي أنجبتها تغريبات تروخيّو المتعددة بين غواتيمالا وسنغافورة، ولندن وتركيا. إلا أنّ زيارتها لجنين كانت «الأكثر إيلاماً»، مما استدعى المدرّسة المختصة في العلوم الصوتيّة إلى التنقيب عن وسيلة أكثر تجدداً للبوح والكشف عن أبعاد الواقع الفلسطيني، في سبيل تحويلها صورةً جمالية بحت. الحياة والحرب المستمرة، النجاة والموت البطيء، الاغتراب القسريّ والبقاء... ثنائيات ستدأب تروخيّو على تشريحها ضمن توليفة فنية مشبعة بالعاطفة والانفعالات، رغبةً منها في استفزاز خيال المتلقي وتأجيج «النقاشات اللازمة حول قضايا العنف والهروب». تقول لنا: «زرت لبنان السنة الفائتة للمشاركة في ملتقى صيفي في برمّانا من تنظيم جمعية بيت الفنون والحكاية». لماذا العودة إلى بيروت إذاً، بعد الولايات المتحدة والقاهرة وتركيا؟ المدينة المثقلة بمآزقها والممزقة بنكباتها، تكاد تكون الحاضن الأمثل لتصوّر تروخيو الإبداعي. «آمل أن يلقى عملي حفاوة وتفاعلاً بين الجمهور اللبناني، بالأخص أنه يمسّ هواجسه وأوجاعه التي أنتجتها سنون الحرب الطويلة». تستنجد تروخيو بتلك الخيبات لتكرّس تدفقها الجسدي على خشبة مينمالية متقشفة.
تؤكد أن ثيمة عرضها الأساسية تتمحور حول «قوة القصة» وقدرتها على الانفلاش والتمدد ضمن المحيط المستضيف لها، ثم تستدرك: «لقد أذهلني كم السعادة والألم الذي يستطيع أن يحتمله الفلسطينيون في آن، رغم التنكيل اليومي الذي يكابدونه. تلك كانت واحدة من أعظم السمات التي تعلمتها وما زلت أسعى إلى نشرها». تأبى تروخيو الإذعان لسطوة الأمر الواقع والبؤس المقرون به. تحاول اجتثاثه وإعادة تشكيله، متحاشيةً الانزلاق في فخ التلقين السياسي الخشبي. يتلوّى جسدها في حركات اعتراضية جامحة، يحتلّ بتواتره الفضاء بأكمله، تتعالى أصداء الكلمات وتتوارى مع اندثار اللحن المرافق، إلا أن تروخيو لن تستسلم أبداً. ستغني وترقص كأنّها بهذا الجسد تنفض الجور والأسى عن أجساد كل الفلسطينيين المهمشين في العالم.

* «اربح الحرب أو اروِ لي قصة» لصيدا تروخيّو: اليوم 19:00 ــ «دار النمر للثقافة والفنون (كليمنصو_بيروت). للاستعلام: 01/367013.