لن أو نادراً ما تجد أحداً لا يسمع إلا موسيقياً واحداً، في أي نمط كان. في الموسيقى الكلاسيكية، من الشائع أن تجد أناساً (متذوّقو موسيقى أو عازفون منفردون أو مجموعات موسيقية) يفضّلون حقبة على سواها من الحقبات أو مؤلفاً على سواه. هناك استثناء واحد: باخ. من الرائج أن تصادف من لا يسمعون سوى أعمال هذا المؤلف أو من لا يعزفون غيره. والأكثر غرابةً في مسألة العلاقة بباخ هو أن الإعجاب الشديد به قد يصيب شعوباً كاملة، كالبرازيليين. باخ هو حالة خاصة في البرازيل. لا أحد يتمتع بالشهرة التي يحظى بها الرجل هناك. هذا الإعجاب قد يصيب مؤلفين، مثل كبيرهم في البرازيل، هايتور فيلّا لوبوس الذي اشتهر بمجموعة من المؤلفات التي تجمع أسلوب باخ بالموسيقى البرازيلية، أو موسيقيين مثل عازف البيانو، موضوع المقالة، جواو كارلوس مارتينز (1940).


في إيران أيضاً، يشكل باخ حالة خاصة (بين عازفي البيانو تحديداً). في ألمانيا، وهذا بلده، «خدّامه» كثيرون، كما في البلدان الأوروبية الأخرى (من هيلموت فالخا إلى كارل ريشتر ومن سوزانا روجيتسكوفا إلى جون إليوت غاردنر). في اليابان، اسألوا عنه ماساكي سوزوكي. في عالم الجاز، يحلّ أولاً في التأثير والمقاربة الجازية للريبرتوار الكلاسيكي. في فرنسا، بنى جاك لوسييه مجده على أداء باخ مُعَدّاً لتريو جاز. في كندا، دخل غلان غولد عالمه وعلق فيه أربعين سنة. كذلك حصل في روسيا مع تاتيانا نقولاييفا. كم تختلف إيران عن البرازيل! واليابان عن روسيا! وألمانيا عن كندا! فكيف يجمعنا باخ؟ هل هي «موضوعية» موسيقاه؟ ربما، لكن كل مؤلفي حقبة الباروك كانوا هكذا. هل هي روحانيته العالية؟ ممكن. لكن كل من سبقوه وبعض من لحقوه كانوا هكذا. هل هو المنسوب العالي من علم الرياضيات في مؤلفاته؟ احتمال وارد. لكن لا إيانيس كزيناكيس ولا ستيف رايش ولا غيرهما استطاع إحداث هذه الخروقات في الجغرافيا والاثنيات والأنماط. الأرجح أن الجواب ليس عند باخ حتى، بل هو سرّ أكبر منه ومنّا. سرٌّ من أسرار الكون والجمال.
في السنوات الأخيرة، برز «مهرجان الأفلام البرازيلية» في لبنان (راجع الأخبار عدد 27/8/2018). الموسيقى حضرت السنة الماضية مع فيلم يستعيد سيرة إيليس ريجينا. هذه السنة، تحضر الموسيقى من خلال عملين، الأول يفتتح الدورة، اسمه João, O Maestro (2017)، ويتناول حياة جواو كارلوس مارتينز الذي كرّس حصة الأسد في مسيرته لباخ. والثاني هو «أطفال باخ» (Filhos de Bach / 2015)، وعنوانه بالإنكليزية «باخ في البرازيل».
من هو جواو كارلوس مارتينز؟ إنه عازف بيانو وقائد أوركسترا شهرته شبه محصورة بالبرازيل وبالولايات المتحدة الأميركية. هو موسيقي بارع، كرّس مسيرته لتسجيل «كل» أعمال باخ للبيانو المنفرد (أو مع الأوركسترا). يعود السبب المنطقي لعدم انتشار تسجيلاته (واسمه) عالمياً إلى كونه لم يكن يتبع لناشر عالمي من الصف الأول أو الثاني، بخلاف مواطنه نيلسون فرايره (1944) وعميدة البيانو الكلاسيكي في البرازيل غيومار نوفايس (1895 — 1979). أضف إلى ذلك، القدر الذي لعب ضدّه، إذ فقد استعمال يده اليمنى، ثم اليسرى، ليتحوّل إلى قيادة الأوركسترا. قصة حياة الرجل سنتعرّف إليها في الفيلم مساء الثلاثاء المقبل. لكن الملامح الأساسية في هذه القصة يرويها جواو في وثائقيّ سابق بهذه الكلمات: «شهدَت حياتي مشاكل عديدة. فقدت يدي اليمنى، فقلت لنفسي أستطيع العزف باليسرى. ثم فقدت اليسرى فقلت أستطيع قيادة الأوركسترا. هنا تكمن أهمية باخ في حياتي. لقد أبقاني حيّاً. واليوم، إن استطعت استعمال إبهامي فقط، سأحاول عزف بعض من موسيقاه. باخ بنوتاتَين فقط، واحدة باليمنى وأخرى باليسرى يستطيع تشييد كاتدرائية».
ماذا عن أسلوبه في أداء باخ؟ في الواقع هذا موضوع واسع ومعقّد جداً، لكن ما يميّز جواو مارتينز هو مقاربته الخاصة، الراديكالية أحياناً، لسرعة الإيقاع (tempo) في أعمال باخ. هذا رائج عموماً، لأن باخ سبق اختراع الميترونوم، بالتالي مسألة تحديد سرعة الإيقاع تكون تقريبية، ونجد الكثير من الأمثال في «التسريع» أو «التبطيء» من غلان غولد إلى تاتيانا نقولاييفا وكلاوديو أراو… والمثال الأكثر وضوحاً عند جواو نجده في الختام (Gigue) الشديد البطء من البارتيتا رقم 6 والتنويع الأول الفائق السرعة (كما هي الحال في تنويعات أخرى ومقابل تنويعات أخرى شديدة البطء) في «تنويعات غولدبرغ». كذلك، ونظراً لأن مسألة الديناميكية غير مطروحة عند باخ في ما كتبه للهاربسيكورد (الذي لا يسمح بعزف نوتات ضعيفة أو قوية)، فإن أداء هذه الأعمال على بيانو يفتح شهية بعض العازفين، ومن ضمنهم جواو، على التلاعب في الزخم، وأحد الأمثلة «الغريبة» في ريبرتواره هو الفارق الكبير في الديناميكية بين أداء الـ«آريا» في مستهل وختام «تنويعات غولدبرغ»، إذ إنه يقارِب المقطوعة ذاتها من زاويتَين مختلفتَين جذرياً! لكن في جميع الأحوال، يمتلك الرجل تقنيات عالية في العزف، ويقلل من استخدام دواسة البيانو (اليمنى)، على غرار غلان غولد، ما يزيد وضوح الجمل الطويلة في أعمال باخ. أما نقطة الضعف الأبرز عنده فتكمن في خشونة العزف أحياناً وفي «الفشكَلَة» التي تصيب بعض الجمل المعقدّة متى قورِبَت بسرعة إيقاع زائدة.

* João, O Maestro: الثلاثاء المقبل ــ «باخ في البرازيل»: 8 أيلول (سبتمبر) ـ «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية) ـ للاستعلام: 01/204080