كرة القدم نظام علامات، مما يعني أيضاً أنه لغة. له كل الخاصيات الجوهرية للغة بامتياز، تلك اللغة التي نضعها مباشرة في شكل تَقَابُلٍ، أي اللغة المكتوبة-المنطوقة. فكلمات لغة كرة القدم تتشكل بالضبط مثل كلمات اللغة المكتوبة-المنطوقة.

والآن، لِنَرَ كيف تتشكل هذه الأخيرة. إنها تتشكل من خلال ما يُسَمَّى تَمَفصُلاً مزدوِجاً، بعبارة أخرى: من خلال تَجْمِيعَاتٍ لا نهائية لِصَوَاتِمَ phonèmes، هي في الإيطالية بعدد 21 حرفاً أبجدياً. وبالتالي، تمثل الصواتم ما نسميه في اللسانية بالوحدات الصغرى للغة المكتوبة-المنطوقة.


فهل لنا أن نتسلى بتحديد الوحدة الصغرى للغة كرة القدم؟ لنحاول إذن: هذه الوحدة الصغرى تتمثل في رَجُلٍ يستعمل قدميه لركل كرة: إنه هذا الْقَوْدَمُ [الصوتَمُ القدَمي] podème، إن شئنا أن نَسْلُوَ قليلاً. الإمكانيات اللانهائية للتجميعات، الْقَوْدَمَاتُ، تُشَكِّل الكلمات الكروية، ومجموع الكلمات الكروية يشكل خطاباً، تُنَظِّمُهُ معايير نحوية أصيلة. ثمة 22 قَوْدَماً [تقريباً بقدر عدد الصواتم]. أما الكلمات الكروية، فهي لا نهائية بقوة، لأن إمكانيات تجميع الْقَوْدَمَات لا نهائية [على مستوى الممارسة: التمريرات التي تجري بين اللاعبين بالكرة]، البُنى النَّحْوية للْكُرَةِ تعبر عن نفسها في مباراةٍ تكون عن حق خطاباً مسرحياً أصيلاً.
اللاعبون هم مُرَمِّزُو هاته اللغة. أما نحن، في المنصات، فمفكِّكو رموزٍ، نتوفر جميعاً إذن على سَنَنٍ code مشترك. من لا يعرف سَنن كرة القدم، لا يدرك معنى الكلمات [التمريرات] ولا معنى الخطاب الكروي [متواليةُ تمريرات]. لستُ لا رولان بارت ولا جوليان غريماس، لكنني كمغرَم، لو شئتُ لكتبت دراسةً أكثر إقناعاً من هاته اللمحة حول اللغة الكروية. أظن أيضاً أنه بوسعنا كتابة دراسة بديعة أخرى عنوانها «فلاديمير بْرُوبْ مُطَبَّقاً على كرة القدم»، لأن الكرة، بطبيعة الحال كما كل لغة، تتوفر على لحظتها الأداتية الخالصة، ينظمها بصرامة وتجريد سَنَنُهَا وأيضاً لحظتها التعبيرية.
في الحقيقة، قلتُ أعلاه إن كل لغة تتمفصل في لغات فرعية عديدة، لكل واحدة منها سَنَنُهَا الخاص. في اللغة الكروية، بوسعنا إذن إقامة هاته الفروقات: تتوفر كرة القدم أيضاً على سَنَنٍ فرعي عندما تصير تعبيرية لحظَةَ تَكُونُ أداتيةً خالصة. بوسعنا أن نجد كرةَ قدم ذات لغة نثرية جوهرياً وأخرى ذات لغة شعرية جوهرياً. سأقدم بعض الأمثلة — استباقاً للخلاصات — كي أُفْهَمَ جيداً: بُلْغَارِلِّي Bulgarelli يلعب لعباً يندرج ضمن النثر: إنه ناثر واقعي. أما ريفا Riva، فإن لعبه يندرج ضمن الشعر: إنه شاعر واقعي. بينما كُورْسُو يلعب كرةً تندرج ضمن الشعر، لا يمكن اعتباره شاعراً واقعياً: إنه بشكل من الأشكال من نوع الشعراء الملاعين، غريبي الأطوار. أما ريفيرا Rivera، فإنه يلعب كرةً تندرج ضمن النثر، لكن نثره شعري، مثل لَعِبِ إلفزير Elzevir. أما عن مازُّولا Mazzola، فهو إلفزيريّ آخر، بوسعه أن يكتب في جريدة كورييرا ديلا سيرا، لكنه أكثر شعرية من ريفيراً: وبين فينة وأخرى، يتوقف عن النثر ويبتكر فجأة بيتين شعريين لامعين.


أود أن أدقق أنني لا أقيم بين النثر والشعر فرقاً قِيْمِيّاً، هذا التفريق الذي أُقِيمُ مجرد إجراء تقني خالص. لكن لنتفاهم: الأدب الإيطالي، وخصوصاً الأحدثُ فيه، إنه أدب آل إلفيزير: فهم أنيقون وميالون كثيراً للجمالية، عمقهم في أغلب الأحايين محافظ وذو طابع محلي خفيف. لنقل إنهم يتوفرون على كل خاصيات الديمقراطيين- المسيحيين. من بين كل اللغات التي نتحدثها في بلد معين، حتى الأكثر سوقيةً وصعوبةً، ثمة ميدان مشترك هو ثقافة هذا البلد: راهِنُهُ التاريخي. فلدواعٍ ثقافية وتاريخية إذن تندرج كرة بعض الشعوب بشكل جوهري ضمن النثر، نثرٍ واقعي أو نثر يتمحور بقوة حول النزعة الجمالية (كما هو الأمر في إيطاليا)، بينما تتوفر شعوب أخرى على نثر يندرج جوهرياً ضمن الشعر.
المراوغة والتهديف هما اللحظتان الفردانيتان الشعريتان لكرة القدم


في كرة القدم لحظاتٌ شعرية حصرياً: يتعلق الأمر باللحظات التي يظهر فيها الفعل المفضي نحو الهدف. كل هدف يكون دوماً ابتكاراً، ودوماً تشويشاً للسَّنَن: يكون فيه دوماً شيء ما حتمي، ساطع، مدهش، لا يمكن تفاديه. هو بالضبط نفس ما يجري مع الكلام الشعري. أحسن هداف في بطولة ما هو دوماً أحسن شاعر في السَّنة. في هذا الأوان، هو سافولدي Savoldi. كرة القدم الأكثر تعبيرية لحظةَ الهدف، هي الأكثر شعرية. المراوغةُ في حد ذاتِها أيضاً شعرية (كما الفعلُ المفضي إلى هدف، وإن لم يكن الأمر كذلك دوماً). فكل اللاعبين يحلمون بولوج الملعب، بمراوغة الجميع والتهديف (وهو حلم يتقاسمونه مع المتفرجين). إن أُتيحَ لنا، في الحدود المسموح بها، أن نتخيل شيئاً سامياً في الكرة، فهو هذا الفعل بالذات. لكن الأمر لا يحدث دائماً. إنه حلم لم أره يتحقق إلا في «سَاحِرَا الكُرَةِ»، فيلمِ فْرَانْكُو فْرَاتْشِي Franco Franchi الذي وإن كان مستواه فظاً، إلا أن فيه جانباً حُلمِيّاً خالصاً.
من هم أفضل المراوغين في العالم؟ إنهم البرازيليون. فكرة القدم لديهم كرةُ شِعْرٍ: ذلك أن أساس لعبهم مراوغةٌ وتهديفٌ. تنويعات القُفْلِ والمثلثات لعب نثري، لأنه مؤسَّس على البناء النحوي، أي على اللعب الجماعي المنظم. بعبارة أخرى، مؤسس على الأداء المعقلَن للسَّنَنِ. لحظته الشعرية الوحيدة هي الهجوم المضاد، المتوَّجُ بهدف (لا يمكنه، كما قلنا سابقاً، إلا أن يكون شعرياً). في المُحَصِّلَةِ، تبدو اللحظة الشعرية لكرة القدم، دائماً، لحظةً فردية (مراوغةٌ فتهديفٌ أو حتى تمريرةٌ ملهَمة). كرة القدم نثراً هي الكرة التي ترتبط بمنظومة، كالكرة الأوروبية، وهي مؤسسة على الترسيمة التالية:


لا يرتبط الهدف إلا بتحديدٍ هو، في حدود الإمكان، تحديدُ شاعر واقعي مثل رِيفَا، لكنه ينبغي أن يكون نابعاً من تنظيم لَعِبٍ جماعي مؤسَّس على متوالية تمريرات هندسية مؤَداة من خلال قواعد يُقَعِّدُهَا السَّنَنُ (يتعلق الأمر بكمال يتمحور حول الجمالية، بعيداً عن الواقعية، كما هو الأمر لدى وسط الميدان عند الإنكليز والألمان).
كرة القدم التي تندرج ضمن الشعر هي الكرة الممارَسة في أميركا اللاتينية. ترسيمتُها كما يلي:

ولكي تتحقق، تستوجب قدرات شيطانية في المراوغة (وهو ما يعتبَر مُدَاناً بقوة في أوروبا باسم النثر الجَماعي)، فبإمكان أي لاعب أن يبتكر هدفاً، وفي أي وضعية. المراوغة والتهديف هما اللحظتان الفردانيتان الشعريتان لكرة القدم، ولهذا تُعتَبَرُ كرة القدم البرازيلية شعريةً. ومن دون أي تفريق قِيْمِيٍّ، وإنما لأغراض تقنية خالصة، يمكنني القول إن النثر الإيطالي ذا النزوعات الجمالية قد تم هزمه في المكسيك من طرف الشعر البرازيلي. (يشير الكاتب هنا إلى مباراة نهاية كأس العالم التاسعة 1970 في المكسيك: إيطاليا-البرازيل: 1-4)

* الصور من مقابلات ودية، في ملاعب أحياء روما، بين بازوليني واصدقائه.