كأننا بتانيا صالح، في ألبومها الجديد، مسكونة بهاجس الفراغ. هذا الوحش الأسطوري قررت مواجهته بحنجرتها العارية. هذا الخواء الذي يكاد يبتلعنا، شيّدت ضدّه عملاً فنياً دسماً وغنياً ومجدّداً، متنوع الآفاق والمصادر. من قلب المتاهة طلعت علينا بأغنياتها. وسط دوّامة الأسئلة والضياع والقلق، تمخّضت معاناتها عن عمل متين موسيقياً، يعكس هشاشة الروح، يتأرجح بين حيرة ويقين، خيبة وأمل. عمل يقول هزيمة الروح، وتحطّم الأحلام… ويعود إلى الينابيع بحثاً عن عزاء ومرجع ودوافع للمثابرة، وقوّة للمحاولة من جديد.


نحن أمام عمل فنّي رائد، يندرج في مرحلة ما بعد «الربيع العربي» المجهض. لم تتنازل تانيا عن الأمل، بدليل أنّها اقتفت أثره ووزّعت حكاياته على الجدران العربيّة، وأنتجت عملاً راهناً وشبابياً وجريئاً، في الأسلوب والخطاب. لكنّها تتمهّل قليلاً أمام أسباب الخيبة. «من الخرطوم لحلب/ من الرباط لشط العرب/ أي تاريخ عم ينكتب/ قلي كيف بروح؟…» تكتب تانيا التي تحمل «في بالها» وطناً، فكرة وطن. «عربيٌّ لا تعرفني حتى الدنيا العربيّة/ وبلاد بلادي منفى ومتاهات أبديّة» يجيبها البردوني من اليمن. يرثي نزار دمشق «ما للعروبة تبدو مثل أرملة؟…». ويضيف بيرم: «يا شرق فيك حوّ منوّر/ والفكر ظلام». ويرد جبران: «ليس في الغابات عدل»، ويسأل السيّاب الربيع «ما الذي دهاك؟»، فيدخل صلاح جاهين على القصيدة ليسخر من الجميع: «الدنيا ربيع والجو بديع»… الدمج أو «الفيوجن» هنا ليس فقط في الموسيقى، بل في النصوص نفسها. يتخانق يونس الابن «مع الله» حول لبنان، فيبدو لنا بحكم ادائه ورفقة الايقاع، أشبه بمغني RAP معاصر، ويدخل عليه وديع: «لبناااااان يا قطعة سما». لكن نازك هنا تدعو إلى الحلم، ودرويش ينتصر في «هزائم الحب»، وجمانة حدّاد تستحضر تمرّد ليليت «المرأة - الرجل»، وصلاح جاهين من أعماق المرارة يطمئننا: «الدنيا هي الشابة وإنت الجدع!». وتكون الكلمة الفصل لأحمد فؤاد نجم: «حنغنّي ودايماً حنغنّي».
كأننا بتانيا صالح، في ألبومها الجديد، مسكونة بهاجس السفر على امتداد الجغرافيا العربيّة التي يوحّدها «الهمّ» نفسه… ألبوم «تقاطع» رحلة روحيّة، «زريابيّة»، بين الألوان والأنواع. لم تترك الفنانة شيئاً للمصادفات. كل تفصيل منحوت بعناية: كل صوت، كل نغمة، كل كلمة، كل آلة، كل إحالة جماليّة، شعريّة، فكريّة، سياسيّة، وجغرافيّة. إنّه مشروع متعدد المستويات، مشغول بدقّة الجوهرجي، بمنطق التطريز والفسيفساء. لم تغفل ملليمتراً في عمارتها المركّبة المتعددة الوسائط: موسيقاها تتشابك مع أداء العازفين (حازم شاهين على العود، نانسي منير على الكمان، محمد فوزي على الكلارينيت والساكس السوبرانو…)، ومهندس الصوت والالكترونيات (خليل جدران)، والايقاع نشير إليه على حدة لأنّه نبض الألبوم وعاموده الفقري (هاني بدير)… قصيدتها تتداخل وتتحاور مع نصوص كبار الشعراء العرب. أغنيتها تتقاطع مع فيروز وسعاد حسني ووديع الصافي والشيخ إمام. لبنان يمتد إلى اليمن، وفلسطين والعراق إلى مصر وسوريا. دمجت التأليف بالأرشيف (صوت عبد الناصر…)، الغناء بالإلقاء (يونس الإبن، جمانة حداد). لقد صممّت عملها بالأبعاد الثلاثة، فما نسمعه ونقرؤه يجد تتمّته على جدران المدن العربيّة. تانيا صالح كما نعرف فنّانة تشكيليّة أيضاً، وهذا الألبوم الذي هو ثمرة «تقاطعات» كثيرة، تشكّل «على الطريق»، بين محطّات الأمل المسروق والممكن مغرباً ومشرقاً. في الأزقّة تفاعلت مع الناس والحكايات الهائمة في الأثير كأضغاث الأحلام بالتغيير، تفاعلت مع فنّانين محليين. لذا فالحكاية تمتد من الأغنية إلى الجدار. الألبوم يُسمع ويُرى، بالصورة والفيديو أيضاً. بهذا المعنى، فإن «تقاطع» ألبوم شامل، بأبعاده الثلاثة: الرومنسي الحسّي (الألحان، الميلوديا)، والمتمرّد الشبابي الراقص (ايقاع، إلكترونيات، لعبة المستويات)، والتأمّلي الذهني (الصوت والشعر…). ويمكننا القول بأنّه يمثّل ذروة النضج في مسار هذه الفنانة اللبنانية الفريدة.