أكثر من 100 ألف طفل تحت سن الـ18 عاماً يعملون على الأراضي اللبنانية، 35 ألفاً منهم لبنانيون يعملون في قطاعات مختلفة، وخصوصاً القطاعين الصناعي والزراعي. الكارثة أن عمل هؤلاء يخالف القوانين اللبنانية والاتفاقيات والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الطفل، وأبرزها اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها لبنان عام 1991، وتنص على حق الطفل «في حمايته من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجح أن يكون خطيراً أو أن يمثل إعاقة لتعليم الطفل، أو أن يكون ضاراً بصحة الطفل أو بنموّه البدني، أو العقلي، أو الروحي، أو المعنوي، أو الاجتماعي». أما الكارثة الأكبر فهي أن هذه الأرقام التي لا تبشر بالخير وليدة واقعٍ اقتصادي يعاني منه لبنان. وهي، تالياً، ليست نهائية، إذ من المرجّح أن ترتفع الأعداد أكثر من ذلك بكثير، بحسب ما تنذر به الأزمة الحالية التي تمرّ بها البلاد.


ثلث الأطفال العاملين لبنانيون (مروان طحطح)

في ظل تلك القوانين، وعلى عينها، لم تعد رؤية أطفال صغار شبه عراة يتنقلون عند تقاطعات الطرق والمستديرات أمراً خارجاً عن الطبيعة. تماماً كما هم أطفال آخرون اسودّت جلودهم من العمل في ميكانيك السيارات أو في صناعات صعبة كالحدادة والنجارة وفي المتاجر والمخابز لساعات طويلة، من دون الحصول على يوم راحة أسبوعي، وبـ«راتب» لا يكفي كفاف يومهم. هؤلاء باتوا كثراً وسيلحقهم آخرون. فبحسب رئيسة وحدة مكافحة عمل الأطفال في وزارة العمل، نزهة شليطا، «واقع عمالة الأطفال اليوم إلى ازدياد، والأطفال اللبنانيون يشكلون ثلث العاملين على الأراضي اللبنانية، فيما يستحوذ على الثلثين الآخرين أطفال من جنسيات أخرى». كلام شليطا جاء خلال مؤتمر «عمل الأطفال في لبنان بين القانون والواقع»، الذي عقدته أمس جمعية «نضال لأجل الإنسان» حول عمل الأطفال في فندق راديسون بلو فردان.
«المشكلة ليست في القوانين، بل في كونها لا تطبّق»، هذا ما قاله رئيس لجنة حقوق الإنسان النيابية، النائب ميشال موسى. وهو ليس كلاماً «غريباً» في لبنان، فجلّ القوانين هنا تكاد تكون مجرد حبرٍ على ورق.
الوضع الاقتصادي المتدهور جراء أزمة المالية العامة أحد الأسباب الرئيسية «التي أدت إلى تفاقم ظاهرة عمالة الأطفال،». وضع جعل من 28% من اللبنانيين يرزحون تحت خط الفقر، و8% منهم يعيشون على وقع فقر مدقع»، بحسب النائبة رولا الطبش. وينجم عن هذا الوضع «العوز الذي يدفع الأطفال إلى معونة أهلهم لتلبية». إلى ذلك، ثمة أسباب أخرى تعدّدها الطبش، لعل أهمها «التسرب المدرسي وتدني المستوى الثقافي لدى الوالدين وكثرة الأطفال (...)».
ولكن، أين دور وزارة العمل؟ حول هذا السؤال، كان لافتاً إقرار شليطا بـ«ضعف التفتيش الذي تقوم به وزارة العمل، وهي المنوط بها مراقبة عمل الأطفال ومحاسبة مستغليهم». وأوضحت أن التفتيش «يقتصر على القطاع المنظم حيث عدد الأطفال ضئيل، بينما يغيب في القطاع غير المنظم في الأماكن المتوارية والمختبئة حيث يوجد الأطفال العاملون». وتعزو السبب في ذلك إلى «النقص في عدد المفتشين، فهناك 100 مفتش على جميع الأراضي اللبنانية». الأغرب من ذلك كله، أن «لا موازنة مخصصة في وزارة العمل ولا في أي وزارة أخرى لمكافحة عمل الأطفال، وانما نعتمد على الدول المانحة والجمعيات الأهلية والمؤسسات الرعائية»، فيما لفتت الطبش إلى تأزم الوضع «نظراً إلى عدم قدرة مؤسسات الرعاية على استقبال الأطفال ورعايتهم، حتى إن بعض المؤسسات الرعائية أقفلت بسبب غياب الدعم، في بلد يخصص 1% فقط من ميزانيته لوزارة الشؤون الاجتماعية»!