تُقدّم الشراكة بين القطاعين العام والخاص، في لبنان والكثير من البلدان المماثلة، بوصفها الحلّ «السحري» لمشكلات البنية التحتية والخدمات الأساسية والعلاج الفوري لأزمة العجز المالي والمديونية والفساد وسوء الإدارة وغير ذلك. يجري التسويق لهذه الشراكة على أساس فكرة واضحة ومحددة تتردد كشعار عام في كل مناسبة: «الدولة تاجر فاشل»، فهي تحقق الخسائر غالباً من جراء دعمها السلع والخدمات التي يحتاجها المجتمع، وتؤدي تدخّلاتها في الأسواق إلى تشويه الأسعار وفرض الاحتكار العام ومنع المستثمرين المحليين والأجانب من اقتناص الأرباح ومراكمة رأس المال، ولا سيما في المجالات التي لا يزال ينظر إليها كحقوق للمواطنين على الدولة، مثل توفير المياه النظيفة والري والكهرباء ومعالجة النفايات وشق الطرقات وإقامة نظم النقل والاتصالات ومرافق الصحة والتعليم واستثمار المواقع التاريخية والطبيعية والممتلكات العامة المختلفة... إلخ.

تبنّت الحكومة اللبنانية هذه «النظرية»، وعرضت في اجتماع باريس 4 (سيدر) مشاريع بقيمة تصل إلى 7.5 مليارات دولار لتنفيذها عبر الشراكة مع القطاع الخاص، والتزمت في بيانها الوزاري منحَ هذه المشاريع الأولوية في برنامجها الاستثماري الممتد على 10 سنوات، واستظلت بالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والحكومة الفرنسية وغيرها ممن تسميها الحكومة «جهات مانحة» لتسويق هذه الشراكة كشرط مسبق للحصول على قروض خارجية بقيمة تتجاوز 11 مليار دولار.
لم تقدّم الحكومة، كما «النظرية» عموماً، أي برهان على أن «القطاع الخاص»، في أي مكان في العالم، ينجح في الحلول محل الدولة من دون أن يؤدي ذلك إلى أزمات إضافية. بل إن الأبحاث التجريبية التي ينشرها صندوق النقد والكثير من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية تؤكد أن تنفيذ الاستثمارات العامة بواسطة القطاع الخاص تنطوي على أكلاف أعلى من تنفيذها بواسطة القطاع العام، وتنطوي أيضاً على أسعار أعلى يتحملها المستهلك مباشرة من ميزانيته أو عبر الضرائب التي يسددها للدولة ويجري استعمالها في تمويل بعض أشكال هذه العقود، كما هو مطروح في لبنان مثلاً على صعيد إنتاج الكهرباء، إذ إن الشريك الخاص سيفرض أسعاره التي تؤمن له استرداد كلفة الاستثمار في أقل من 5 سنوات والفوائد على القروض ونفقات التشغيل والإدارة وأجور العمالة ومعدلات الربح التي يعتقد أنها مجزية، في حين أن الدولة ستتولى تسديد هذه الأسعار له وستقوم بعملية الجباية عنه وضمان مخاطره المختلفة، بما في ذلك مخاطر تعثره وفشله.
لكن المقيمين في لبنان ليسوا بحاجة إلى مثل هذه البراهين، فالشراكة مع القطاع الخاص لها تاريخ طويل في هذا البلد، على عكس الشائع، وهي أدت إلى نتائج كارثية دفعت الكثيرين إلى النزول إلى الشوارع والاحتجاج على تراكم النفايات في صيف عام 2015. فعقود شركة «سوكلين» وشقيقاتها والشركات التي خلفتها هي عقود شراكة مع القطاع الخاص. وكذلك عقود الشراكة مع شركة «سوليدير» منذ عام 1994، التي مكنتها من الاستيلاء على المنطقة المردومة في البحر قبالة وسط بيروت في مقابل تمويل عملية الردم نفسها وإقامة البنية التحتية فيها. كذلك يذكر معظم اللبنانيين عقدي الـBOT لإقامة شبكتي الخلوي مع شركتي «سيليس» و«ليبانسل» عام 1994، اللتين اضطرت الحكومة إلى استردادهما عام 2002 بعدما خلّفا أعلى الأسعار في العالم وأسوأ الخدمات وملفات بقيمة تتجاوز مليار دولار لم تسددها الشركتان للدولة والمشتركين. وعلى سبيل المثال أيضاً، المعاينة الميكانيكية هي عقد شراكة مع القطاع الخاص، وكذلك مقدمو خدمات الجباية والصيانة والتوزيع في الكهرباء، وبواخر الكهرباء، وليبان بوست، وإشغال الأملاك العامة البحرية، واستثمار مغارة جعيتا، وجميع أعمال المقاولات والمشتريات العمومية في الدولة وخدمات صيانة المباني والتنظيف...
لائحة الأمثلة طويلة، وتكاد تشمل كل جوانب عمل القطاع العام ووظائفه، فما هي النتائج؟ يقول المثل «من جرّب المجرب... عقله مخرّب»، ولسنا بحاجة إلى أي برهان على أن عقل حكومتنا مخرّب إلى درجة أنها تريد أن تضع حاجات المجتمع كلّها في عهدة القطاع الخاص، لسبب وحيد: لأنه «تاجر شاطر» لا يجيد غير الربح.