منذ حوالى منتصف القرن التاسع عشر، بدأت الحفريات الأثرية تستخرج لنا جماجم مثقوبة الرأس. في البداية، لم يجر الاهتمام بهذه الظاهرة. لكن في عام 1860، عثر شخص أميركي يدعى ابراهام جورج سكوير Ephraim George Squier في منطقة كوزو في المكسيك على جمجمة فيها ثقب مربع. أثارت الجمجمة اهتمامه فأوصلها إلى أكاديمية نيويورك للطب، ثم إلى جراح فرنسي يدعى Paul Broca. وبعدما اختبر بوركا الجمجمة، حكم بأن الثقب يمثل العملية الجراحية التي تسمى: Cranial trepanation وتُترجم إلى العربية هكذا: «قطع القحف» أو «حجّ القحف»، وفيها يجري فتح ثقب في الجمجمة من أجل تخفيف الضغط على الدماغ سواء بعد التعرّض لصدمة على رأسه، أو إثر جلطة دماغية. بالتالي، وبناءً على رأي بوركا، فقد كان شعب الإنكا يمارس هذه العملية المعقدة قبل وصول الأوروبيين.


جمجمة كوزو المكسيكية


ثم حصلت اكتشافات لجماجم مثقبة في أماكن عديدة جداً في العالم، ما أظهر أن ممارسة هذه العملية عمّت العالم، أو أجزاء واسعة منه، بدءاً من العصر الحجري الحديث وحتى العصور الوسطى. وقد ظل اقتراح بروكا هو الفرضية المركزية حتى الآن. لكنّ تقييم بوركا في القرن التاسع عشر، بني على عدد محدود جداً من الجماجم المثقبة. لذا، فقد واجهت فرضيته مجموعة تحديات بعد الاكتشافات المتتابعة للمئات بل للألوف من الجماجم المثقبة.

أولاً: فقد اكتشف أنّ جزءاً من عمليات ثقب بعض الجماجم حدثت بعد الوفاة لا قبلها. وهذا يدحض فكرة الهدف العلاجي لتثقيب الجماجم.

ثانياً: اكتشاف عدد كبير من الجماجم فيها أكثر من ثقب، بل إن بعضها يحوي ثلاثة، أو سبعة، أو حتى عشرين ثقباً. ومن الصعب أن يكون هذا العدد ضرورياً لتخفيف الضغط على الدماغ. ولدينا من فلسطين جمجمة عثر عليها في ثلاثينيات القرن الماضي فيها ثلاثة ثقوب دائرية.

جمجمة أريحا


ثالثاً: كذلك، اكتُشفت جماجم عديدة فيها ثقوب غير نافذة. ومن الواضح أن مثل هذه الثقوب تضرب في الصميم النظرية العلاجية أيضاً. وخذ النموذج أدناه من البيرو.



وكما نرى، ففي هذا النموذج العشرات من الثقوب، من بينها 14 ثقباً غير نافذ، بعضُها قريب من بعض، وثقبان آخران بعيدان. ثم لدينا ثقب كبير نافذ على أطرافه 27 ثقباً نصف دائري أيضاً. أي أن لدينا ما مجموعه 47 ثقباً. ويستحيل أن تكون عملية فتح الجمجمة الطبية بحاجة إلى هذا العدد الكبير من الثقوب، أو أنها بحاجة إلى الثقوب غير النافذة. وقد سميت الثقوب غير النافذة «ثقوباً غير مكتملة»، أي أنها تمثيل تثقيب محبط أو فاشل. وكان هذا يمكن أن يفهم لو أن الأمر تعلق بثقب واحد. لكن أن نرى 14 ثقباً فاشلاً، أو غير مكتمل، فهذا يشير إلى أن فكرة «عدم الاكتمال» ذاتها مشكلة. فكيف يمكن لنا أن نقرر أن هذه الثقوب كان ينبغي أن تكون نافذة لكنها لسبب ما لم تكتمل، أي لم يجر تعميقها لتحرق عظم الجمجمة؟ وقد عثر في تل الدوير (مدينة لكيش الكنعانية القديمة) في فلسطين أيضاً على جمجمة تشبه جمجمة كوزو الأولى أيضاً.

جمجمة أريحا لليمين، وجمجمة كوزو لليسار


وقد جرى التركيز في جمجمة كوزو على الثقب المربع النافذ. لكن لم يكن هناك تفسير مناسب لحجم الخطوط. فلماذا على خطوط الثقب المربع أن تستطيل هكذا، وأن تصل إلى مساحة أبعد؟ فوق ذلك، فقد شكّلت هذه الخطوط ثماني خانات مفتوحة من جانب واحد. وإذا أضفنا المربع النافذ إليها، يكون لدينا تسع خانات. فما معنى هذه الخانات وما الهدف منها؟ أي ما معنى الرقم 8 والرقم 9 هنا؟
ثم لماذا تتموضع الثقوب في جمجمة أريحا التي فيها ثلاثة ثقوب هكذا: واحد كبير، واحد متوسط وواحد صغير؟ ولماذا تصطف الثقوب غير النافذة في جمجمة البيرو بهذا الشكل أيضاً؟ فهناك صف فيه 14 ثقباً، تحته صف فيه ثلاثة ثقوب، ثم هناك ثقبان بعيدان حول الدائرة الكبيرة. ولا توجد أجوبة على هذا. بذا فمن الواضح أن عملية قحف الجمجمة لا يمكن أن تفسر هذه النماذج. وحتى الفرضية التي تقول إن العملية كانت تُمارس كعملية سحرية- طبية تهدف إلى إخراج الشياطين والشرور لا يمكنها أن تفسر الثقوب غير النافذة، ولا تثقيب جماجم الموتى. وكل هذا يقتضي البحث عن تفسير أفضل أشمل.
ولديّ اقتراح في هذا الخصوص، وهو أن العملية الطبية التي تُسمى قحف الجمجمة (التربنة) لها علاقة بالجماجم ذات الثقب الواحد أساساً. وهي عملية استمرت في الوجود حتى العصور الوسطى. إنها تخص الثقب الواحد. ولعله يحدث نادراً أن تتم العملية بثقبين نتيجة عدم نجاح، أو عدم ملاءمة. أما الجماجم المثقبة بثلاثة ثقوب فما فوق، فليست ذات طبيعة طبية علاجية، بل ذات طبيعة دينية أساساً. وإذا صح هذا الفرض، فإنه لا يمكن معرفة الهدف الديني إلا عبر فهم أوسع لمعتقدات البشر منذ العصور الحجرية القديمة. فهذه المعتقدات هي التي يمكنها أن تفسر التشكيلات الغريبة للثقوب في الجماجم. لكنني، لا أود أن أعرض لهذا الآن في هذه المادة المختصرة، بل أنوي أن أترك القضية لكتابي القادم الذي أعمل عليه منذ أكثر من عقدين من الزمان، والذي يمكن أن سيكون اسمه: «سنة الحية: معتقدات وروزنامات العصور الحجرية». ففي هذا الكتاب سيكون هناك فصل عن تثقيب الجماجم.

* شاعر فلسطيني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا