ترجمة: ماهر جمّو
آه! الألم يُرعش كياني. هذا هو ثواب خدماتٍ قمتُ بها لكائنٍ لئيمٍ ظالمٍ ذي قدمين. اليوم هو يومي الأخير، وهذا ما يدخلُ العزاء إلى قلبي، فبعد حياةٍ مليئة بالمرارة والمشقة، وتحمّل الأعباءٍ المضنية والضرب المتواصل بالعصيِّ والسلاسل وشتائم العابرين، أشعر بغبطةٍ لأنّني سأودِّعُ هذه الحياة الموحشة.


هنا شارعُ شميران. اليوم ونتيجة لامبالاة صاحبي كسرت سيَّارةٌ قوائمي، وأصبحتُ في هذه الحالة. وبعد الضرب والشتم، سحبوا جسدي إلى طرف الطريق وتركوني وحيداً. ربَّما يكونون قد نسوا أنَّه لا يزال في وسعهم الاستفادة من نِعالي وجلدي! يبدو أنَّهم قد يئسوا منِّي بشكلٍ نهائي.
تُرى هل سيجلبون لي الطعام في موعده؟ كلّا.. عليَّ أن أفارق الحياة في منتهى العذاب والجوع، لأنَّه لم يعد بإمكاني القيام بشيء، آه! جراحي تؤلمني كثيراً، والدَّم يسيلُ منها.
ما هذا الكائنُ الذي سُلِّطَ علينا وجعل حياتنا تبدو ملطخةً بالعار والدَّنس ومليئةً بالعذاب والألم؟ لقد أرهقَ أحاسيسنا البريئة والطبيعية، وأثخن أجسادنا بالجراح الدائمة وجعلَ حياتنا مُرَّةً مكدَّرة.
من الجليِّ أنَّه يشبهنا وأنَّه سيموتُ مثلنا في نهاية المطاف، ولهذا السبب ليس ثمة فرقٌ بيننا، وتَحسبُ أنَّ جسده قد صُنعَ من الحجر أو الخشب، عندما يهوي علينا بالسياط، ظانّاً أننا لا نشعر بالألم. فلو كان يشعر بالألم، لأبدى رحمةً تجاهنا. إنَّ هذه الأدوات التي يستخدمونها لتعذيبنا ليست أدواتٍ طبيعية، لقد صنعوها بأنفسهم.

بيتر بوش ــــ «من دون عنوان (حمار)» (أكريليك على كانفاس ــــ 2018)

منذ أمدٍ قاموا في أوروبا وأميركا بتأسيس جمعياتٍ لحقوق الحيوان تحت مسمّى «الإنسانية»، وسنّوا قوانين خاصة لأجل الدفاع ورفع الإجحاف والظلم عنّا. فهل أولئك أيضاً ينتمون إلى الكائنات التي تعيشُ هنا؟ قطعاً لا! فإن كانت تلك الجماعة تنتمي إلى هذا الصِّنف من الكائنات، أفلا ينبغي أن يكون قلبها من حجرٍ حينها؟
علماء العلوم الطبيعيَّة، لا يجدونَ فرقاً كبيراً بيننا وبين أنفسهم ويعتبرون أنفسهم من مجموعة الحيوانات الثديِّة، إلا أنَّ فيلسوفاً معروفاً، وهو ديكارت، زعم أنَّ الحيوان ليس سوى آلةٍ متحرّكة! فهبَّ عددٌ من الفلاسفة الآخرين يدافعون عنَّا ضدَّ هذا الاعتقاد الباطل، ومن بينهم شوبنهاور الذي يقول: «إنَّ أساس الأخلاق هو الرّفق؛ ليس الرفق بالنوع المماثل وحسب، وإنمَّا الرّفق بجميع الحيوانات». كما أنَّه يتطرّق في كتابه عن الأخلاق إلى شرح أحاسيسنا وإدراكنا. فيلسوفٌ آخرُ يقول: «إنها تسليةٌ للأمهات أن يشاهدنَ أطفالهنّ يقطعون رأس طائرٍ أو يقومون بجرحٍ كلبٍ أو قطّةٍ أثناء اللعب - هؤلاء هم جذور الفساد وأساس القسوة والظلم والشرّ».
في الحقيقة إنَّ هذا الظلم الذي نتعرَّضُ له في غالبه هو نتيجة تربية الأمهات لأطفالهن تربيةً تعسفيَّة.
وللأسف ليس بوسعنا الكلام، وهذا ما جعلنا تعساءَ مغلوبين على أمرنا. وحدهُ أرسطو من أدركَ حقيقة حياتنا، إذ يقول: «الإنسان حيوانٌ ناطق». وبسبب هذا النطق غدونا تحت رحمة أهواء ورغباتِ كائناتٍ طمَّاعة جشعة.
لمَ لا يقتدي البشرُ بهؤلاء الفلاسفة؟
(*) صادق هدايت: كاتب إيراني، انتحر في باريس عام 1951.