هذا مثل «يضرب في الكرم والجود». فهو يعني حسب المفسرين: أشد كرماً من مطاعيم الريح، أو أكثر إطعاماً منهم. فالقرى هو إطعام الآخرين كرماً. أما مطاعيم الريح فهم، كما يخبرنا المفسرون إياهم، أناس كانوا يطعمون حين تهب ريح الصبا: «أقرى من مطاعيم الريح: زعم ابن الأعرابي أنهم أربعة: أحدهم عم أبي محجن الثقفي، ولم يسمّ الباقين. قال أبو الندى: هم كنانة بن عبد ياليل الثقفي، عم أبي محجن، ولبيد بن ربيعة وأبوه. كانوا إذا هبت الصبا، أطعموا الناس. وخصّوا الصبا لأنها لا تهب إلا في جدب» (الميداني، مجمع الأمثال). إذن، فالمطاعيم يُقْرون عند هبوب الصبا، لأنه وقت الجدب على حدّ زعمهم.

غير أن هناك من يخبرنا أن أبا محجن الثقفي، الفارس الشهير، لا عمه هو من كان من مطاعيم الريح: «وهم أربعة؛ أحدهم أبو محجن الثقفي» (الآبي، نثر الدر). ويؤكد النويري هذا قائلاً: «مطاعيم الريح أربعة: منهم أبو محجن الثقفي. وكان لبيد بن ربيعة العامري يطعم إذا هبت الصبا» (نهاية الأرب).

عمل لبول سيزان (زيت على كانفاس ـــ 65.7 × 82 سنتم ــ 1895)

لكنني أعتقد أن الاسم «مطاعيم الريح» فُهم خطأ هنا. فالمطاعيم هنا، وفي هذا الاسم بالذات، لا تشير إلى الطعام بل إلى الشراب. كما أن الريح هنا لا تعني الهواء، بل تعني الخمرة. إنها مفرد الرَّياح، بفتح الراء لا كسرها، وهي تعني الخمرة. يقول امرؤ القيس في معلقته:
كأن مكاكيّ الجواء غُدَيّة
نشاوى تساقوا بالرياح المفلفل
والرياح المفلفل هي الخمرة الحذقة الحادة. بالتالي، يجب أن نقرأ «الريح» في الاسم بفتح الراء «الرَّيْح».
عليه، فالاسم يعني «شريبو الخمرة» أو «ذواقو الخمرة» أو ربما بشكل أدق «سقاة الخمرة». وإن صح هذا، فالاسم في ما يبدو على علاقة باسم الصنم الذي كان منصوباً على الصفا (مجاوز الريح) الذي يعني اسمه «ساقي الخمر». وقد كان نظيره على المروة هو «مطعم الطير». وكان السعي الجاهلي بين هذين الصنمين.
بذا، فحين اجتمع القرى والطعام في المثل، ظن الشُراح والمفسرون أن الأمر يتعلق بإطعام الطعام. فالقرى هو إطعام الضيف، والمطاعيم هم الذين يطعمون. وهكذا جرى ربط كنانة بن عبد ياليل بمن يطعمون حين تهب ريح الصبا. أي ربطوا بين لبيد بن ربيعة وكنانة. وهذا ربط غير صحيح. ذلك أن جذر «قرى» هنا يعني اللزوم. كما أن جذر طعم يعطي معنى: «شرب»، وليس «أكل» فقط. جاء في سورة المائدة في سياق الحديث عن الخمرة ومنعها: «ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا» (المائدة: 92). بذا فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لا جناح عليهم لو طعموا الخمرة، أي شربوها. بالتالي، فالمطاعيم هنا لا تعني المطعمين، بل تعني الساقين.

مطعمو الطير
أما مطعمو الطعام، فلدينا منهم ثلاثة أو أربعة في المصادر العربية. الأول هو جد النبي عبد المطلب الذي كان يلقب بـ«مطعم الطير»، وهو ما يشير إلى أنه كاهن للصنم (مطعم الطير) المنصوب على المروة. وهناك أيضاً الزبرقان بن بدر، جد الفرزدق، الذي كان يدعى «مطعم الكبش الرخم»، أي الذي أطعم الكبش لطيور الرخمة. والرخمة نسر صحرواي، يسمى أحياناً بالنسر المصري.
ثم هناك قتادة بن مسلم الحنفي الذي لُقب بـ «غيث الضريك». إذ قيل في المثل «أقرى من غيث الضريك». والضريك هو النسر. أما القرى هنا، فهو الإطعام وليس اللزوم. بذا فالاسم يعني مطعم النسر. وهو نفس لقب الزبرقان بن بدر عملياً. وهكذا فهناك كهانة دينية يجري فيها إطعام الطير، أياً كان اسم الطيور (طير، رخم، ضريك).
ويبدو أن «مطعم الطير» يكون مجيراً للطير. فإطعامها نوع من إجارتها. وبناء على ذلك، يمكن ضم مجيري الطير إلى مطعمي الطير. ومن هؤلاء ثور بن شحمة العنبري. فقد كان يسمى «مجير الطير، فكانت الطير لا تصاد بأرضه ولا تضار» (الوطواط، الغرر). أكثر من ذلك، يبدو أن كليباً بن ربيعة كان أيضاً مطعماً للطير. فقد أجار طائراً قتلته ناقة جساس التي تدعى البسوس. والأبيات التي تنسب لطرفه عن القبرة تنسب له أحياناً:
فيا لك من قبة بمعمر
خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري
قد رحل الصياد عنك فأبشري
لقد أجار القبرة وأطعمها وجعلها تنقر ما تريد.
وقد قرأت في اللوحة البرونزية «دي» في «مقطعية جبيل» الاسم (مطعم الضريك) كاسم لشخص محدد.


جملة «لمطعم ضريك» في لوحة جبيل

وهذا الاسم يجب أن يكون قد أُخذ من اسم الإله «مطعم الضريك»، الذي يعني عملياً «مطعم الطير». ويجب أن نلحظ في الصورة أعلاه أن العلامة السابعة في النص أعلاه ليس لها قيمة صوتية. فهي علامة مخصصة تقول لنا إن الاسم مطعم الضريك هنا اسم شخص لا اسم إله. ومن الواضح أن «ال» التعريف ليست موجودة في الاسم (مطعم ضريك). ويبدو أنها لم تكن تكتب «عين» نكون مع الحروف القمرية.

أبو محجن الثقفي
على أي حال، يبدو لي أن علاقة أبي محجن الثقفي بالخمر نابعة من تراث عمه كنانة بن عبد ياليل. فعمه كان مرتبطاً بصنم - إله خمري. وهو ما يعني أنه كان «ساقي خمر». أي أنه كان كاهناً لصنم - إله مثل الصنم الذي كان منصوباً على الصفا (مجاوز الريح). لذا فقد بدا ابن الأخ خمرياً بامتياز.
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة
تروي عظامي في الممات جذورها
ولا تدفنني في فلاة فإنني
إذا ما مت ألا أذوقها
لكن تبعاً لبعض الروايات التي أوردناها، فمن المحتمل أن أبا محجن ربما كان هو ذاته (ساقي خمر). وهذا ما يلزمنا إعادة النظر في سيرة أبي محجن كلها.
شاعر فلسطيني