كانت الحلي الذهبية تُستخدم في الماضي كرقية للشفاء من لدغات الأفاعي. وخذ هذا الدليل من شعر للنابغة يعتذر فيه للنعمان ابن المنذر في قصيدة مشهورة:

فبتّ كأني ساورتنـي ضـئيلة
من الرقش في أنيابها السم ناقع
يُسهّد من نوم العشاء سليمـهـا لحَلْي النساء في يديه قعـاقـع
وعيدُ النعمان للنابغة وضعه في موضع من لدغته أفعى سامّة، فبات «مُسَهّداً» تطوّق حلي النساء يديه و«تقعقع» فيهما. إذ كان الطقس أن «السليم»، أي لديغ الحية، يُسهّد، أي يُمنع من النوم، وتُوضع في يديه أساور النساء الذهبية. والهدف هو البرء والشفاء حسب ما يخبرنا ابن أبي الحديد: «إنه إذا عُلّق عليه [أي اللديغ] حلي الذهب برأ، وإن عُلّق الرصاص أو حلي الرصاص مات» (ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة). حلي الذهب تبرئ، أما حلي الرصاص فلا. غير أن ابن أبي الحديد يخلط، مثل الغالبية الساحقة للمصادر العربية، بين طقسين اثنين في شعر النابغة:
الأول: طقس التسهيد
الثاني: طقس التحلية بالأساور
هو يعتقد أن حلي الذهب تتبع طقس التسهيد، أي طقس منع النوم: «ومن مذاهب العرب أيضاً تعليق الحلي والجلاجل على اللديغ يرون أنه يفيق بذلك» (شرح نهج البلاغة). لكنه ما يلبث أن يحترس وينقل لنا رأياً آخر: «ويقال: إنه إنما يعلق عليه لأنهم يرون أنه إن نام يسري السم فيه فيهلك، فشغلوه بالحلي والجلاجل وأصواتها عن النوم» (ابن أبي الحديد،، شرح نهج البلاغة). وهكذا، فلا هو ولا غيره عموماً تمكّن من أن يفصل بين الطقسَين فصلاً تاماً. فقد ظهرا كما لو أنهما طقس واحد. والحقيقة أنهما طقسان مختلفان، وبهدف مختلف، مع أنهما يحدثان معاً. فالأول، أي طقس التسهيد، يجري عن طريق إحداث ضجيج لا يتوقف ويصمّ الآذان، بهدف منع اللديغ من النوم. ويحدث هذا الضجيج أهله والقوم الذين حوله. فقد كان الاعتقاد أن اللديغ إن غفا مات. لذا يجب إرغامه على أن يظل صاحياً. أما الثاني، أي طقس التحلية بالأساور الذهبية، فطقس رقية في الأساس. وأنا أظن أنه كان يجري بأساور ذهبية على شكل حيات في الأصل. والحق أن من المحتمل أن الأساور الذهبية كلها كانت في الأصل منتزعة من صورة حيات متطويات.

«موسى والثعبان النحاسي» لبيتر بول روبنز (زيت على كانفاس ــــ 161.2×146.1 سنتم ـــ 1609/1610)

والذي أحدث التشوّش هو كلمة «قعاقع» في بيت النابغة. فمن خلالها فُهِم أن الحلي توضع في يدي السليم كي تحدث صوتاً يمنع اللديغ من النوم. أي ظنّ أنها تدخل في طقس التسهيد: «الملدوغ يوضع في يديه شيء من الحليِ لئلا يَنامَ فيَدِب السم في جسَدِه فيقتله» (لسان العرب). يزيد الزبيدي قليلاً: «وذلِك أن الملدوغ يوضع في يديهِ شيء من الحلِي ونحوِه، يحركه، يسلي به الغم، ويقال يمنع به النوم، لئلا يدِب فيهِ السم فيقتله» (تاج العروس). والزبيدي متشكّك بشكل ما في أن الحلي تمنع النوم كما نرى من المقتبس. أما المبرد فليس لديه شك: «لأنهم كانوا يعلّقون حلي النساء على الملدوغ، يزعمون أن ذلك من أسباب البرء، لأنه يسمع تقعقعها النوم فلا ينام، فيدب السم فيه. ويسهّد لذلك» (المبرد، الكامل في اللغة).
وكلّ هذا غير صحيح في اعتقادي. فبيت النابعي يقول إن الخلاخل توضع في يديه فتقعقع، أي تُصدر أصواتاً. إنه يتحدّث عن أصوات الأساور. لكنّه لا يعرض لنا في بيته طقس التسهيد بالضجيج. فاللديغ لا يُمنع من النوم عبر رنين الأساور الذهبية الضئيل، بل عبر الضجة الكبرى التي يحدثها الناس بأدوات مختلفة فوق رأسه. الحلي، أي الأساور أو الخلاخل، لا توضع في يدي السليم من أجل صوتها، بل من أجل قوتها الشافية الراقية. وهو ما أشار إليه المبرد بشكل ما ثمّ عاد فخلطه بغيره فضاع: «كانوا يعلقون حلي النساء على الملدوغ، يزعمون أن ذلك من أسباب البرء». وهذا هو الصحيح. إذ أن صوت الحلي في يدي اللديغ من الضعف أصلاً بحيث لا ينفع في التسهيد، أي لا يقدر على منع النوم.
ويؤكّد الجاحظ وجود طقسين، رغم أنه هو الآخر يخلطهما ببعضهما أيضاً. مع ذلك، فهو يزوّدنا ببيت شعر يفصل بوضوح بينهما. فقد كتب تحت عنوان: «تعليق الحلي والخلاخيل على السليم» ما يلي: «كانوا يرون أن تعليق الحليِ، وخشخشةَ الخلاخيل على السليم، مما لا يفيق ولا يبرأ إلّا به، وقال زيد الخيل: أيام يكون النعل منه ضَـجِـيعَةً/ كما عُلِّقت فوقَ السليم الخَلاَخِلُ. وخبَّرني خالد بن عقبة، من بني سلمة بن الأَكوع، وهو من بني المسبع، أن رجلاً من حزْن، من بني عذرة، يسمى أسباط، قال في تعليقهم الحَلْيَ على السَّليم:
أرقت فلم تطعم لي العين مهجعا
وبتّ كما بات السليم مقـرّعـا
كأني سليم نالـه كـلـم حـية
ترى حوله حلي النساء مرصعا» (الجاحظ، الحيوان).
وكما نرى فحديث الجاحظ مشوّش تماماً بخصوص الطقسَين. لكن شعر الأكوع واضح تماماً بخصوصهما. فهو يتحدث، وبوضوح، عن طقسَين اثنين ويفصل بينهما. في البيت الأول يبيت «السليم مقرّعاً». أي تقرع الأصوات حوله كي لا ينام. أما في الثاني فترصع حوله حلي النساء، أي توضع عليه وحوله حلي النساء. فأما التقريع فيهدف إلى منع اللديغ من النوم. وهو مرتبط بالاعتقاد الديني السائد بأن النوم طراز من الموت، خاصة إذا تعلق الأمر بلدغ الحية. وأما تعليق الحلي على اللديغ، فيهدف إلى البرء.
ولدينا من محمد زقطان، الفلسطيني الذي عمل مدرّساً في جنوب المملكة العربية السعودية في الستينات، وصف ممتعٌ جداً لطقس التسهيد. ولا بدّ أن بقايا هذا الطقس ما زالت حتى الآن:
«وإلى ليلة من تلك الليالي التي يتمنّى المرء فيها أن يخلد للراحة والسكينة. وكيف له أن ينعم بالهدوء والنوم، وقرع الطبول وأدوات المطبخ والتنك والحديد والخشب تصمّ آذانه... وعندما يبادر في الغد سائلاً عما ألمّ بالحي، يُفاجأ بأنّ هناك امرأة لدغت ولا سبيل لتركها تخلد للنوم لأن معنى ذلك نهايتها، فهم يقرعون كل ما تصله أيديهم كي تبقى متيقظة لا تغمض جفونها» (زقطان، ذكريات الجنوب، ص 54).
هذا هو طقس التسهيد الضاج بكماله وتمامه. طقس يبدأ بالطبول وأدوات المطبخ وينتهي بالخشب والحديد. أي أنه حفل ضجيج شامل هائل، يشمل القرية بأكملها. وهدفه أن لا ينام الميت، لأنه إن نام مات. فالنوم هو الموت. وفي مثل هذا الطقس الصاخب لا نفع لأصوات الحلي النحيلة. لا مجال للحلي كي تلعب دوراً هنا.
وزقطان لا يحدّثنا عن وجود حلي، الأمر الذي يدلّ، أولاً، على أنها ليست جزءاً من طقس الضجيج، وثانياً، على أن تقليد الرقية بالأساور الذهبية ربما قد انتهى ومات منذ زمن.

نحش نحشتان
الحية إذن تلدغ، لكن صورتها، ممثّلة بالأسورة الذهبية، تشفي وتبرئ. وليس هذا بالغريب. فحين ابتُلي بنو إسرائيل، حسب التوراة، بلدغات الأفاعي المحرقة في تيههم ضجوا إلى موسى كي يجد لهم حلاً، فصنع لهم حية نحاسية (نحش نحشتان) ووضعها على راية فحلّت لهم الأمر: «فأرسل الرب على الشعب الحيات المحرِقةَ، فلدغت الشعب، فمات قومٌ كثيرون من إسرائيل. فأتى الشعب إلى موسى، وقالوا: قد أخطأنا إذ تكلمنا على الرب وعليك، فصلِّ إلى الرب ليرفع عنا الحيات. فصلى موسى لأجل الشعب. فقال الرب لموسى: اصنع لك حيَّةً مُحرِقَةً، وضعها على رايةٍ، فكل من لُدِغَ ونظر إليها، يحيا. فصنع موسى حيَّةً من نحاسٍ ووضعها على راية، فكان متى لدغت حيةٌ إنساناً ونظر إلى حيَّة النحاس، يحيا) (عدد: 4:21-9). وأظن أن هذه الحية هي نفسها التي توضع على الصيدليات.
ومن الواضح أنّ النحاس الأصفر في قصة موسى يلعب هنا دور الذهب الأصفر الشفائي. عليه، يكون موسى قد حارب الأفاعي عن طريق تمثالها الأصفر، مثلما أن طقس التحلية العربي حارب لدغات الأفاعي بالأساور الذهبية التي يبدو أنها كانت على صورة حية في الأصل. بذا فالحية تلعب دورين متضادين: دور لدغ ودور شفاء من اللدغ.
الميثولوجيا هي أساس أغلب التضاد في اللغة العربية


ويمكن القول إنّه هنا يكمن جذر «التضاد» في جذر «سلم» في القاموس العربي. فلديغ الحية بالعربية يُدعى «السليم». كما أن السليم هو الذي شفي من لسع الحية أو من أيّ مرض آخر. وهذا يعني أن السليم هو المريض وهو المشفي معاً. أما القواميس العربية فتفترض أن اسم السليم للديغ وُضع من باب التفاؤل فقط: «السليم: اللديغ؛ أطلق عليه تفاؤلاً بالسلامة» (ابن جني، الخصائص). يضيف ابن دريد: «وسمِّي الَّلديغ سليماً تفاؤلاً بالسلامة، وليس له فعل يتصرّف» (الاشتقاق). لكن العين الخبيرة تعرف أن الأمر يتعلق بالميثولوجيا، وبالطابع المتضاد لمعتقداتها كما رأينا في قصة حية موسى. بناء عليه، يمكن لي أن أقول إنه لا يمكن تفسير ظاهرة التضاد في اللغة العربية، حيث تعطينا الكلمة نفسها معنيين متعاكسين تماماً، من دون الوقوف على أرضية ميثولوجية. الميثولوجيا هي أساس أغلب التضاد في اللغة العربية. لا أقول إنها جذر كلّ التضادات، لكنها في جذر غالبية التضاد. وكان المرحوم ربحي كمال قد وضع كتاباً حول التضاد في اللغة العربية وأسبابه، لكنه مع قيمته وجدّيته، لم يصل إلى نتيجة لأنه افتقد إلى أرضية ميثولوجية. ولا يمكن حلّ لغز التضاد في العربية من دون مثل هذه الأرضية.
وعلى أيّ حال، فأنا أظنّ أنّ التضاد في جذر «سلم» العربي على علاقة بالإله «أسلم» الجاهلي. وهذا الإله يمثّله نجم «السها» في شمال السماء. وهو يقع قرب نجم عناق في ذيل بنات نعش. وهذا النجم بالذات على علاقة بالشفاء من لدغات الأفاعي ولسعات العقارب، كما يؤكّد لنا ابن سيناء في أرجوزته الطبية:
نجم السها مأمنة من سـارق
ومن سموم عقرب وطـارق
ومن رأى عشية نجم السهـا
لم تدن منه عقرب يمسـهـا
وقيل لا يدنـو إلـيه سـارق
في سـفر ولا بسوء طـارق
ويبدو أنه لي نجم أسلم هذا كان يتمثل بحية. أي أنه مثل الإله ود العربي الذي يوصف بأنه «نحش طب»، أي الحية الشافية حسب تفسيري. إنه حية تلدغ وتبرئ في الوقت عينه. وتناقض الجذر «سلم» العربي من تناقض طبيعة هذا الإله. يؤكد هذا أن اليونان يعتقدون أن كنوبوس، ربان مينلاووس، مات بلدغة حية، ودفن في شمال مصر. وكنوبوس في الأصل هو نجم السها، لكن لأن اليونانيين لا يرون نجم السها في أفقهم، فقد صار عندهم رفيقه في جنوب السماء سهيلا اليماني. الأصل أن كنوبوس (كنب، أو خنب المصري) هو السها الشمالي، وهو حية، كما أنه مات بلسعة حية، وهذا هو جذر التضاد الذي تحدثنا عنه.

* شاعر فلسطيني