سُجِنَ أوّل مرّة، وهو بعد لم يبلغ السادسة عشرة من عمره. في عام البون (1)، رست بالميناء سفينة حربية أميركية تحمل عتاداً عسكرياً وأسلحة ومساعدات. ومن عادة شباب المدينة والذين كثيراً ما يستحمون داخل الميناء أو بقربه على شاطئ لاكريك (2)، أن يطاردوا عمال وبحارة السفن، عارضين عليهم خدماتهم الصغيرة (سمك طازج، سجائر محلية، خمرة رديئة، بغايا..) يبادلونها مقابل هدايا رخيصة (سجائر مالبورو، قداحات، فتاحات قناني، سكاكين مطويّة باستعمالات متعددة، أحذية خشنة، سترات مضادة للمطر..). حينها توصل إلى ربط علاقة بجندي يكبره بسنوات قليلة، يدعى جون من آلاباما، ولاية بالجنوب الأميركي، كان على متن السفينة. وأخذا مقابل خدمات يؤديها له يسهران معاً، ويتشاركان الطعام والشراب والحكايات السخيفة والبذيئة على رابية تسمى لابوانت، تدير ظهرها للمدينة وحي البلاطو (3)، فيما هي تعانق الميناء وتكاد تحيطه وتشكل حدوده من الجهة الشرقية. وفي ليلة، نفدت سجائر جون، فأرسل علي ليتدبر له سجائر جديدة. وحين عاد الفتى جلس ليواصل السهر والشرب. لكنه اكتشف أن قارورة البيرة التي تركها منتصفة ولم يكملها قد بات طعمها حامزاً ومقززاً، كما انتبه ولمح نظرة الأميركي الساخرة. واستوعب ما حصل معه. لقد جرع جون ما تبقى في زجاجته، ثم عاد وعبّأها من جديد، لكن هذه المرّة ببوله!

لم يكن ليغفر له فعلته السمجة، سواء تصرف جون كذلك من باب المزح أو استخفافاً به وإمعاناً في إهانته. وفاض دمه، لما أفاض جون في توجيه شتائم قبيحة له بدل أن يعتذر. ولأن السيل قد بلغ الزبى هاجمه بالزجاجة، وكانت لا تزال في يده، فشجَّ له رأسه. ثم دفعه من على الرّابية. وبسبب ثقله وحجمه الضخم، ولأنه كان تحت تأثير السكر، تدحرج جون حتى بلغ سفح الرابية دون أدنى مقاومة. وهناك انتهى جامداً، فلم تصدر عنه حركة أو صوت. وبعد فترة غشي الوجل علي. وحين نزل إليه مستطلعاً، هاله ما اكتشفه. فقد وجد الرجل غارقاً في بركة من الدم وميتاً. وفي الغد، ولأن الجندي لم يظهر له أثر، قامت دورية أميركية، وبالتعاون مع الشرطة الفرنسية، بالبحث عنه. وأثبتت التحريات غداة العثور على جثته أنه كان برفقة علي الذي لم يعد له من وجود.
كان الخوف قد تمكّن منه، فتخفى في واحد من قوارب الصيد الصغيرة المهجورة. وكالضب في حجره، بالكاد أخذ يغامر بالخروج أو يغادر المكان. وحتى حاجته راح يقضيها حيث هو مضطراً. ولأجل الطعام صار ملزماً أن ينتظر جثوم الليل. حينها ينسحب إلى بار مارتنيز الإسباني. وفي خلفيته، يجد صديقه الشاب حمو والذي يعمل نادلاً بالمكان، قد تدبر له ما يقتات به. كما كان يزوّده بكل الأخبار التي لها علاقة بموضوعه. ومن حسن حظه أن إلقاء القبض عليه تمّ بعد أن غادرت السفينة الميناء. وشى به حمو المهدار والمسحوب من لسانه بعدما وثق به. خانه، ولم يحتفظ بالسرّ. أصبح عدوّه، وأمكنه أن ينتقم منه يوم صار ملاكماً. اختلق وهو داخل البار نفسه حجة للنّيل منه. زعم أنه لا يلبي طلباته كما يليق بزبون يدفع. وقد فصل في النقاش الذي احتدم بينهما بأن وجّه له أكثر من لكمة شوّهت وجهه، وزادته بشاعة. كما شلخ فمه، وودّ لو يقدر أن ينزع له لسانه أيضاً، بذلك يغدو عاجزاً عن الكلام، فلا يشي بالأصدقاء.
توصَّل وهو قيد التحقيق إلى أن المعاملة التي تحوزها الكلاب الجرباء أفضل. اعترف أمام المحقق بما جرى بالضبط. وقال له: «لم يعجبني ما فعله الأميركي بي، ولم يكن يرضيني غير الدخول معه في معركة. أردت أن ألقنه درساً حتى يعرف أنه لا يمكنه أن يهزأ بالجزائريين، لكني أبداً لم أنوِ قتله..». ولعل التفصيل الذي ضمّنه إفادته ساعد في إنقاذه، فقد ادّعى أن الجندي سعى إلى استغلاله. وأنه أشهر سكيناً أمامه، وحاول إجباره على نزع سرواله، ليلوط به.
اشتبهت الشرطة في دوافعه، لكن اتضح بعد مزيد من التحري أن الفتى لا يفقه شيئاً في السياسة، كما لا يمكن لمثله أن يُجنّد في تنظيم. حينها حصروا التهمة في القتل غير العمد. ولأن السفينة وأصحاب الدعوى غادروا، ولأن الفرنسيين لم يكونوا سعداء بالأميركيين المخلّصين كما صوّر ذلك الإعلام، وظهر لاحقاً في الأفلام. وظلوا يبغضونهم، لأنهم ما فتئوا يذكرونهم بعجزهم وقلّة الحيلة، حكموا عليه بسنة سجناً نافذة في إصلاحية بالضواحي. وبعد انقضاء المدّة والإفراج عنه، اكتشف أنّه طُرِدَ من المدرسة. وكانت حجة غيابه سبباً في ذلك.
وفي مثل تلك الظروف اعتقد علي أن الحياة بدأت تعانده، وأنها راحت توليه ظهرها. هذا قبل أن يكتشف أن سوء السمعة قد منحه صيتاً لم يكن ليناله في ظروف أخرى، وإن كان لم يمنع عنه شعوره بالنقص. وكتعويض، أمسى يميل أكثر إلى الغلظة والتباهي أمام أقرانه، فتغيرت مشيته وطريقة تصرفه وتعامله مع الآخرين. بعدها دخل نادياً للملاكمة. وكان الغرض من ذلك أن يتعلم بعض الخدع والحركات التي يحتاجها، ويمكنها أن تنقذه في الشارع. ورغم النجاح الذي أصابه إلا أنه لم يقتنع يوماً أن ذلك هو مصيره المنذور له.
لم يعفه كل ذلك، كما لم يخلصه من هواجس سجنه. وابتدأت سيرة الكوابيس معه من حينه. وفي الواقع ما أثّر فيه بذلك الشكل العنيف، ليس أشهر سجنه بما فيها من روتين ممل وعدٍّ للأيام والأسابيع والأشهر وانتظار انفراطها، بل أيام الاحتجاز والاستجواب الفاشية. واعتقدَ أنه لن يكون هناك جحيم آخر بعد الذي عرفه، حتى وقع في قبضة الشرطة ثانية. وكان حينها يشتغل هزياً (4) في مبغى لالا الزهرة اليهودية.
في تلك المرّة باشر المحققون البحث في تاريخه. نبشوا كل كبيرة وصغيرة تخصه. وعلى ضوء ما تجمع لديهم عمدوا إلى الهجوم. وما لبثوا أن خنقوه وأحكموا قبضتهم عليه، ووجد نفسه عالقاً لا يعرف هل عليه أن يعترف بعلاقته بالمنظمة أم ينكر كل صلة له بها.
بدأ مقاوماً، ومع التعذيب تلاشت المقاومة تدريجياً، ثم أخذت منحى آخر حين خضع عقله للأخذ والرد، وراح يناقش بينه وبين نفسه في حمّى وتوتر، ما هو ممكن وما هو غير ممكن، آملاً في أن يفوز من كل ذلك بمنفذ أو يتاح له خلاص مستحيل، وما حدّد خياره في الأخير هو حجم المعاناة، والتي لم ترتبط إلا باللحظة وليدة التعذيب، فأصبح كلّ ما تحدّد قبلها لاغياً، ومن قبيل العنترة الجوفاء. وأما ما انتهى إليه فلم يكن بالضرورة الخيار الأمثل، إذ لا خيار مثالياً هناك، كما أن ما راهن عليه ليس حلاً بقدر ما هو جنوح إلى وضع مختلف.
نزلت عليه أسئلة التحقيق كالصاعقة فلم ترحمه، ومع ذلك جابهها بالصمت. أثار ذلك حفيظة وحنق المحقق تريغو الأشقر والشاب الذي يريد أن يثبت نفسه، فأخذ يتعامل معه وكأن له ثأراً قديماً عنده، لن يستوفيه إلا بالنّيل منه. قاوم الاختناق تحت الماء. وكانوا يسحبونه في اللحظة التي يشرف فيها على الهلاك، وما إن يروه يستعيد بعض روحه حتى يعودوا إلى إغراقه من جديد. فيبقى على الحافة، منهكاً، يحاول التماسك. ولعل ذلك ما كان يشحنهم ويزيد من حنقهم، فيفرطون في التنكيل به.
هرسوا أصابع قدميه بالمطرقة، ثم قاموا باقتلاع أظفاره بالكلاليب. بدؤوا بالخنصر. أخبره المحقق: — هذا حتى تتعرف إلى الألم.
عندما فعلوا ذلك بالإبهام شعر بأنه يقذف روحه. وقرر، يجب أن يتوقف كل ذلك الآن، وحالاً.
— هل ستعترف؟
واكتفى بهز رأسه..

* الجزائر ــ * فصل من رواية «لابوانت – جدوا قاتلي» (2019) للكاتب الجزائري محمد جعفر (1976) الصادرة عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» في بيروت. وقد صدرت للكاتب روايتان «هذيان نواقيس القيامة» (2014)، و«مزامير الحجر» (2015)، ومجموعة قصصية بعنوان «ابتكار الألم» (2018)، ومجموعة شعريَّة بعنوان «العبور على متن الحلم» (2013)، وجميعها صادرة عن منشورات «الاختلاف» الجزائرية و«ضفاف» اللبنانيَّة، والمجموعة القصصيَّة «طقوس امرأة لا تنام» عن «دار ميم للنشر» (2011). وقد وصلت مجموعته «ابتكار الألم» إلى القائمة القصيرة لـ «جائزة الملتقى للقصة القصيرة في الدورة الثالثة» (2018)

(1): 1944 هو عام المجاعة في بلاد المغرب العربي، بعد وضع المستعمر الفرنسي كل مقدّرات مستعمراته ومواردها الاقتصادية في تصرّف جيشه المشارك في الحرب العالميَّة الثانية.
(2) أصغر شاطئ بساحل مستغانم يقع بين منطقة صلامندر وصابلات ويعتبر شاطئاً عائليَّاً بامتياز.
(3) حي شعبي في مدينة مستغانم.
(4) كلمة جزائرية بمعنى ذي المزاج الخشن من البحارة، وهي هنا تشير إلى «الفتوة» الذي يستغل قوته البدنية في حماية الفتيات اللواتي يعملن في البغاء.