مع بداية شهر شباط (فبراير) من العام المنصرم، أعلنت «دار الشروق» إصدار كتاب بعنوان «من الشباك»، كُتبَ عليه «كتاب قصصي». غلاف أحمر عليه اسم الكاتب أحمد خير الدين، الذي اقترن بالصحافة والإعلام التلفزيوني في السنوات السابقة. بدأ مسيرته الصحافية في جريدة «الدستور» عام ٢٠٠٨ في قسم الفن، بعدها انتقل للعمل كمراسل في أحد البرامج التلفزيونية، وشارك في تغطية أحداث الثورة المصرية من داخل ميدان التحرير. ثم انتقل إلى واحد من أهم البرامج التلفزيونية بعد الثورة، «آخر كلام»، للإعلامي يسري فودة، قبل أن يصبح مذيعاً للأخبار. اقترن اسم الكاتب في السنوات السابقة ببعض المقالات في الصحف المصرية. هذه الخلفية الصحافية جعلت بعضهم يتوقع أنّ الكتاب جمع لمقالاته المنشورة في الصحف، خصوصاً أنّها ظاهرة انتشرت لكتّاب الصحافة بعد الثورة. مع صدور الكتاب، فوجئ بعضهم بأنّه قصص قد تصنَّف ضمن أدب السجون، لأن أحداثها تدور في سيارة الترحيلات، التي بدأ الحديث عنها بقوة في الصحف المصرية بعد تكاثر الحوادث داخلها بعد الثورة. أشهر تلك الحوادث، كانت سيارة ترحيلات «أبو زعبل» التي راح ضحيتها ٣٧ سجيناً مصرياً في سيارة شرطة خارج «سجن أبو زعبل»، مختنقين بالغاز بعد احتجاز ست ساعات في سيارة الترحيلات. حاول الكاتب الثلاثيني التقاط الخط الإنساني وراء الأحداث، والبحث عن الرواية الشعبية وراء الحكايات التي تدور داخل سيارة الترحيلات. التقيناه فكان هذا الحوار:

أجرى الحوار مازن حلمي.

كيف نشأت لديك فكرة الكتاب؟
كان لديّ انشغال تاريخي بفكرة سيارة الترحيلات، تحديداً عندما بدأت الاهتمام بالمشهد السياسي. بدأت القصة عندما علمت بموت سجين من مدينتي «دمياط» داخل سيارة الترحيلات. من وقتها بدأ الحديث عن التعامل الأمني مع المواطنين داخل السجون وضعف الإمكانات. بقيت تلك القصة في ذاكرتي إلى أن اندلعت «ثورة يناير» وسمعت قصة أحد أصدقائي الذي حكى أنه لم يعش أجواء ٢٨ يناير ٢٠١١ بسبب القبض عليه صباح ذلك اليوم وخروجه ليلاً. أصبحت تفاصيل ذلك اليوم هو ما رآه من داخل سيارة الترحيلات. بعد ذلك بسنوات، وقعت حادثة أبو زعبل، التي راح ضحيتها ٣٧ سجيناً داخل سيارة الترحيلات.
بدأت تتكون لديّ قصص وصور مختلفة لأناس داخل سيارة الترحيلات. بدأت أهتم بكيفية خوض الناس لتلك التجربة بأشكالها المختلفة، سواء بالنسبة إلى الشخص الذي تكون وسيلته لرؤية العالم، أو ذاك الذي قضى بداخلها يوماً واحداً فقط، أو حتى الشخص الذي تكون سيارة الترحيلات أولى محطاته في تجربة السجن.

هل شعرت بالتخوف من الكتابة في هذا النوع من الأدب؟
نعم، كان لديّ بعض المخاوف. حتى الآن، تطرح عليَّ أحياناً أسئلة حول طبيعة الكتاب الأدبية. الأسئلة ذاتها طرحت بعد فوز سفيتلانا ألكسيفيتش بجائزة «نوبل للآداب»، وحول الطبيعة الأدبية لهذا الشكل من الكتابة. لكن عكس ذلك هو ما حدث معي، منذ اللحظة الأولى التي قرأت فيها كتاب «أصوات من تشيرنوبل»، شعرت أن هذا عمل أدبي، وأحب كتابة هذا الشكل.

لماذا هذا النوع من الأدب بالتحديد؟
أنا رجل أعمل في مهنة الأخبار، وكثيراً ما يمرّ عليَّ خبر من قبيل موت ١٥ شخصاً وإصابة العشرات، وهذا ما دفعني إلى التفكير في خلفية هؤلاء الضحايا وطبيعة حياتهم قبل ذلك الحادث. في إحدى المرات، توقفت عند جملة أحد الأصدقاء، حِينَ قال: «أسوأ ما في تجربتنا في الثورة، أن كل ما نعيشه من أسى ومعاناة، سيختصر مستقبلاً في كتب التاريخ كالآتي: وسادت مصر فترة من القلق». كنت منزعجاً من فكرة تلخيص كل تلك المعاناة التي يمر بها جيل كامل في جملة واحدة. مع تكاثر الحوادث، تأكدت بداخلي فكرة كتابة هذا النوع، ولست منشغلاً بطبيعة تصنيفه الأدبي. في إحدى المرات، تناقشت مع الدكتورة سحر الموجي حول تصنيف هذا الشكل على أنه أدبي، وأخبرتني أن فكرة اختيار الزاوية بحدّ ذاتها عمل أدبي. أرى أن ذلك مناسب لي، ولا أقارنه بتجربة سفيتلانا ألكسيفيتش، رغم امتناني لها على عثوري على هذا النوع من الكتابة، لكنها كانت منشغلة بحوادث أكبر من تلك التي تناولتها في كتابي. لكن في النهاية، المشترك بيننا هو الاهتمام بالخط الانساني خلف أي حادثة كبرى.
ما الفارق بين أن تكتب هذا النوع من الأدب وأن تكتب الشكل العادي من الأدب؟
لم أجرّب النوع الآخر من الكتابة. صحيح أنا متلقّ وقارئ جيد له، لكن حتى الآن لم أجرب هذا النوع من الكتابة، ربما يحدث ذلك في المستقبل، لكن الآن أنا مهتم أكثر بالرواية الشعبية للحوادث التي مرَّ بها الناس.

هل ترى أنه مرّ وقت كاف للكتابة عن الأحداث التي تبعت الثورة؟
هذا ربما يكون مأخذ بعض الناس الذين يرون أن الحادث لم يبتعد عنّا تاريخياً بالقدر الكافي، حتى نكون قادرين على الكتابة عنه. لكن في الوقت نفسه، أشعر أنه يجب تسجيل هذا الأمر بمشاعره الحالية لأجيال قادمة، قد تسألنا عن دورنا داخل تلك الأحداث. السؤال نفسه يشغل أي شخص مرَّ بذلك، وكنا نحنُ نسأله لجيل السبعينيات، وقد صرنا نخاف من أن يطرح علينا السؤال نفسه في المستقبل.
كيف استقررت على طبيعة اللغة التي تكتب بها هذا النوع من الأدب؟
أظن أنّ ذلك مرتبط بالخلفية الصحافية والهدف الذي هو توثيق الأحداث التي رواها أصحابها، لا نقلها كما هي، لكن التدخل في حدود ضيق.

هل القصص الموجودة حقيقية؟
كل تلك القصص حقيقية، من لقاءات تمت على مدار عامين.

هل تسربت إليك الغواية الأدبية وأنت تكتب وحاولت أحياناً استخدام الخيال؟
ما سمعته كان أصعب من الخيال، مثل تركيبة المواقف والمشاعر عند السجانين. لو استخدمت خيالي، لما وجدت هذا الشخص الذي يتعامل أحياناً بأذية وقسوة، وفي أوقاتٍ أخرى يحاول التعامل بلطف. قصة ذلك الضابط داخل سيارة الترحيلات وهو يشاهد العالم، وليس مجرد ضابط عادي، لكنه متهم بقضية تعذيب. ليس الأمر تسخيفاً من فكرة الخيال، لكن أظن أن هناك أناساً أفضل منيّ في هذا المجال.

هل حاولت البحث عن الوجه الآخر للسجان وأبعاد حياته وأن يكون له تمثيل داخل قصصك؟
لم أتعمّد أن يكون هناك تمثيل لفكرة الضابط وراء القضبان أو داخل سيارة الترحيلات، لكن القصص جاءت في طريقي بالمصادفة من خلال رحلة البحث. وهناك بعض الناس الذين شعروا أن هذا الأمر خارج السياق. أظن أن أصحاب القصص كان لديهم هذا الوعي أيضاً؛ أن هذا الضابط أو الشخص المسؤول عن الترحيلات لديه أبعاد حياتية ونفسية. ولديهم هذا الوعي من خلال طرح أسئلة، مثل: لماذا هذا الشخص يعاملنا أحياناً بطريقة جيدة وأحياناً أخرى يكون شديد القسوة؟ المساجين أنفسهم يكتشفون هذا العالم أكثر منيّ من خلال رحلتهم.

هل التقاط المفارقات وتسجيل اللحظة الزمنية كانا الهاجس الأكبر لديك أثناء الكتابة؟
أنا كنت معنيّاً بالحكاية الشخصية التي يمكن أن تختفي مع تكاثر القصص والتجارب. كنت مهتماً بتسجيل تلك اللحظة الزمنية والمشاعر، ولو تبعتها بعد ذلك لحظات أكثر قسوة داخل السجن. أنا مشغول بالراوية الشعبية للأحداث، أو رواية الشخص نفسه للأحداث. الفضاء المصري العام ممتلئ بالرواية الرسمية للأحداث، وهو المسيطر على كُل شيء. في الصحافة وفي هذا الشكل من الكتابة، مجرد محاولة نقل أصواتٍ أخرى غير رسمية، أو شعبية، لا أعرف تسميتها بالتحديد.

كيف تعاملت مع المكان باعتباره الركيزة الأساسية في بنية أدب السجون؟
المكان هنا بطل، المكان هنا سيارة الترحيلات، مسرح الأفكار التي تدور في عقول الأشخاص. تنقلهم إلى أماكن مختلفة، وتستقبلهم وهم قادمون من أماكن مختلفة. في أدب السجون، المكان واضح المعالم، مثلاً في كتاب «الأوردي: مذكرات سجين» لسعدي زهران، المكان واضح المعالم، السجن سيّئ السمعة. في «يوميات الواحات» لصنع الله إبراهيم، السجن واضح المعالم أيضاً من خلال الأشخاص الموجودين فيه. في «بالخلاص يا شباب» لياسين الحاج صالح، هناك أيضاً سجن واضح المعالم. أما هنا، فالأحداث تجري في سيارة الترحيلات، تتجول ما بين سجون مختلفة، ما بين محاكم وسيارات ترحيل مختلفة. لذلك أنا غير متأكد من تصنيف كتابي على أنه أدب سجون بالمعنى الحرفي.

كتبت في مقدمة كتابك جملة «التذكر صعب، والنسيان ممنوع» من كتاب «بالخلاص يا شباب» لياسين الحاج صالح.. هل كانت تلك الجملة نقطة ارتكاز أو انطلاق لكتابك؟
ليست نقطة ارتكاز، لكن أثناء الكتابة، مرّت علي تلك الجملة، وشعرت أن هذا الأمر هو نفسه الذي أفكر فيه، خصوصاً أنني أثناء فترة الكتابة، كثيراً ما كنت أقابل أشياء تشبه الأمور التي أفكر فيها. وهذا ما حدث لي أيضاً في كتاب «الأوردي: مذكرات سجين»، لكن أكثر في كتاب «بالخلاص يا شباب» بالتحديد لأنه أقرب تجارب السجن لجيلنا، من حيث الفترة الزمنية، ليس قديماً مثل «الأوردي» أو «يوميات الواحات».

ما سبب غياب الزمن في أغلب القصص؟
هذا الأمر له علاقة بفكرة السجن، حيث يكون الزمن غير واضح، خصوصاً في تلك التجربة داخل سيارة الترحيلات. بعد ذلك، حِينَ يدخل الشخص السجن، يبدأ بحسبان الوقت، لكن هنا في سيارة الترحيلات، الزمن يبدو غائباً، مثل مصير الشخص.

هل شعرت بالخوف أو الحذر أحياناً أثناء الكتابة؟
بالعكس، لو أن هناك خوفاً مسيطراً على الشخص، لن يختار الكتابة، خصوصاً في هذا الموضوع. لا يمكن اختيار موضوع كذلك والوقوف على البرّ. لا يمكن أن يكتب شخص عن سيارة الترحيلات في السنوات العشرين الأخيرة، من دون أن يتوقف عند قصة مثل أبو زعبل.

منذ اللحظة الأولى، كان واضحاً أن الأحداث تدور داخل سيارة الترحيلات.. ما سبب خروجك عن المكان في بعض القصص؟
لأنها سيارة ترحيلات، وهي نفسها تتحرك، والشخص بداخلها يتماهى مع ذلك العالم. أحياناً لا يحب رؤية المكان خارج سيارة الترحيلات، وهناك شخص آخر كانت الفترة التي يقضيها داخل السيارة فرصة ليرى من خلالها العالم الخارجي. سيارة الترحيلات حاضرة بقوة، ولو كان الشخص خارجها، مثل القصة الرئيسية «من الشباك» حيث تكون الشخصية قد مرّت بتلك التجربة من قبل، وتحاول أحياناً تجنبها، أو مساعدة الأشخاص بداخلها. ليس شرطاً أن تكون سيارة الترحيلات حاضرة بذاتها، لكن الفكرة نفسها أو الحالة دليل على سطوة المكان.

هل كان اختيار القصص مبنياً على دوافع ايديولوجية؟
لو أنّ هناك دوافع ايديولوجية، لكنت تجاهلت قصص الإخوان المسلمين، لكن على العكس تماماً، حضورهم كان كبيراً داخل الكتاب، لأن لديهم تجربة سجون كبيرة وضخمة خلال السنوات الأخيرة. الفكرة في النهاية هي أن التجربة وسيارة الترحيلات لا تفرقان بين المعتقلين.

ما هي الأسئلة التي كانت تشغلك أثناء الكتابة؟
كيف تبدو التجربة التي تبدو لنا أخف وأصغر من تجربة السجن؟ أو كيف ينظرون ويستقبلون العالم من خلال شباك سيارة الترحيلات؟

لماذا تخشى تقديمك على أنك كاتب أدبي؟
لأنني لا أملك إلا كتاباً واحداً، وتصنيفه الأدبي غير محسوم.

هل المرجعية الصحافية تؤثر على كتابة الأدب؟
لا أشعر بفصل كبير بين الأدب والصحافة، خصوصاً في تاريخنا. فتحي غانم كان صحافياً وأديباً. الأمر نفسه بالنسبة إلى إحسان عبد القدوس. وجزء كبير ممّا يكتبه محمد حسنين هيكل، يصنف على أنه كتابة أدبية لوقائع وأحداث تاريخية. وهناك روائيون عالميون لهم خلفية صحافية أيضاً مثل ماركيز.

هل واجهت مشاكل في النشر، أم أن عملك كمذيع يتمتع بشهرة لا بأس بها سهّل عليك النشر؟
لم أواجه مشكلة في النشر. هناك جزء إيجابي، وآخر سلبي. الجزء السلبي أن الناس توقعوا أن أجمع مقالاتي التي نشرت في الجرائد، وأصدرها في كتاب، سواء دار النشر أو القراء. الجزء الإيجابي أنني لا أشعر بمشكلة نشر في مصر من الأساس. لا أقول ذلك لأن الأمور كانت سهلة أمامي، لكن نحن لدينا في السنوات الأخيرة حركة نشر قوية.

ما هو أبرز ردّ فعل جاءك من معتقل على الكتاب؟
لم يتبرّأ أحد من قصته. لكن أبرز ردّ فعل كان لشخص كتب على مواقع التواصل الاجتماعي أنه حزين جداً من عدم تجاوبه معي في أسئلتي وأثناء شغلي على جمع القصص. وحِينَ قرأ الكتاب، شعر أن قصته كانت يجب أن تروى هكذا.

لماذا الإهداء كان لثلاثة أدباء: نجيب محفوظ وإبراهيم أصلان ورضوى عشور؟
أحب تجربة نجيب محفوظ، لأنه مخلص لمشروعه، وأول كاتب أقرأ له في حياتي. أحب إبراهيم أصلان لتجربته المختلفة تماماً، بحيث لديه مساحة شاسعة من التجريب طوال الوقت. رضوى عاشور لأنها أحد مكوّنات جيلنا، وأعتبر نفسي من أبنائها الذين اكتشفوا عوالم جديدة من خلال عالمها.

إذا كان عليك اختيار ثلاثة كتب... ماذا تختار؟
«الحرافيش» لنجيب محفوظ، و«صياد القصص» لإدواردو غاليانو، و«الطنطورية» لرضوى عاشور.