تختصر تجربة الصحافي الإيطالي الاستقصائي روبرتو سافيانو (1979) فكرة الصحافة الاستقصائية عموماً؛ إذ تتمثل مهمّة تلك الصحافة في الكشف عما لا يعرفه الناس، ويجهد «أصحاب الشأن» لإخفائه. وسواء كان أصحاب الشأن المعنيون موظفين حكوميين، وأثرياء، أو حتى رجال عصابات، فإن الصحافي الاستقصائي ــ غير الموجّه من قبل أحد ــ يسير كالسهم في سبيل العدالة وكشف الحقيقة. لم يكن كثيرون في العالم بأسره يعرفون شيئاً عن عصابات جنوب إيطاليا (وتحديداً مدينة نابولي) «المخيفة» والمعروفة محلياً باسم «كامورا». لقد كانوا، لأسباب عدة، يتناولون «أختها» الأشهر عالمياً «المافيا» القادمة من الجزيرة الصقلّية، إذ لطالما كانت «كامورا» قادرةً على إخفاء آثارها وإسكات من يتناولها بحرف. من هنا كان كتاب «غومورا» لروبرتو سافيانو الكتاب الوحيد ربما الذي استطاع تعرية «كامورا» إلى هذا الحد وتقديمها إلى العالم. يصدر الكتاب بنسخته العربية («كلمة»، و«الدار العربية للعلوم ناشرون» ــ ترجمة مها عز الدين) بعد عشر سنوات على صدوره بلغته الأمّ (2006) وتحوّله إلى فيلمٍ للمخرج ماتيو غاروني (2008) ثم إلى مسلسلٍ (2014، هو الآن في جزئه الثاني). وبالرغم من تأخر صدور ترجمته العربية، فلا ريب أنَّ مجرّد نشره هو جهد يجب الإشادة به، نظراً إلى أهمية الكتاب، فضلاً عن مرجعيته ونوعه المفقود في المكتبة العربية.
يظهر أوجه الاختلاف بين «كامورا» في نابولي ومثيلتها في صقلية

إثر نشره للكتاب، عانى روبرتو سافيانو، إذ تحوّل بين ليلةٍ وضحاها إلى رجلٍ مطارد، حيث وضعته المافيا النابوليتانية على رأس قائمة مطلوبيها، وتعرّض مراراً لمحاولات اغتيال أجبرته منذ عام 2008 على مغادرة بلاده إيطاليا. إذاً، لهذا الحد يمكن لكتابٍ واحد أن يجعل من شخصٍ ما مخيفاً ومرعباً لقوى أمرٍ واقع. بحسب الكتاب، تبدو عصابات «كامورا» مسيطرةً على كل شيء في مقاطعة كمبانيا وعاصمتها مدينة نابولي بشكلٍ كلي، ما منع إمكانية الحديث عن نشاطاتها. يضاف إلى هذا السبب، التواطؤ الشعبي والرسمي معها، ما «أغلق كل السبل». هكذا جاء كتاب سافيانو ليغيّر ذلك الواقع بأكمله، كما فعلت الصحافية الاستقصائية الشهيدة فيرونيكا غورين في إيرلندا سابقاً بتعريتها المافيا الإيرلندية. دفع هذا بالحكومة الإيطالية إلى اتخاذ بعض الخطوات، إذ أصرت على إنشاء وحدات متخصصة في مكافحة «كامورا» وأنشطتها، وخصصت رجال شرطة لحماية الصحافي الإيطالي المهدد بالموت. استمد سافيانو عنوان كتابه من «التوراة»، حيث تشير «غومورا» إلى سدوم وعمورة المدينتين اللتين خسفت بهما الأرض لفسادهما، في الوقت عينه تتشابه الكلمة مع لفظة «كامورا» (تعني: «كا» أي زعيم و«مورا» أي شارع).
يتناول المؤلف الذي كتب بأسلوب روائي، حكاية شديدة الواقعية عاشها الكاتب عندما غاص بعمق، حتى وصل إلى تلك التفاصيل الحقيقية بمعظمها التي قرأناها في الكتاب، ناهيك بالقليل من البعد الدرامي. يشرح الكتاب مثلاً كيف تختلف عصابات «كامورا» الموجودة منذ القرن السادس عشر عن مثيلتها المافيا الصقلية، إذ تمتد «العائلة» الصقلية عمودياً (أي القائد/ الدون في الأعلى، ثم نزولاً ناحية الأعضاء) فيما تعشش «كامورا» أفقياً (أي تتحرك كل «عشيرة»/ clan وحدها ضمن إطار اتفاقي تفاهمي). يكمن الاختلاف الكبير أيضاً بين «العصابتين» في أنَّ «كامورا» تعطي دوراً أكبر للنساء، فيمكن للمرأة أن تكون «زعيمة عشيرة» على عكس الصقليين الذين قلما يعطون النساء دوراً مماثلاً. تكثر في الكتاب الأسماء: الشوارع، الأشخاص، الأماكن، كما تكثر التواريخ، وقد يجد القارئ في لحظةٍ ما أنَّه أمام «فهرس» و«أطلس» وكتاب تاريخي في آنٍ. هذه التقنية استخدمها لاحقاً الكاتب الأميركي المعروف دان براون في «جحيم دانتي»، و«ملائكة وشياطين» ولو بدرجةٍ أقل. التقنية الاستقصائية التي تقارب الرواية تبدو ظاهرة، فالاهتمام بالإخبار والكشف عن الوقائع يأتي على حساب «سرد» الحكاية، رغم أن سافيانو بقي ممسكاً بلعبة «القصّة» حيث ظلت شخوصه تدور في الإطار الحكائي نفسه. في أحد المقاطع، يشير سافيانو: «لدى الجميع في سيكونديغليانو، حتى الأطفال الصغار منهم، فكرة شديدة الوضوح عن كيفية الموت، وأفضل وسيلة لذلك». يورد هنا نقاشاً بين صبيين (في الرابعة عشرة من عمرهما) أمام جثة امرأة قتلت بطلقةٍ في الرأس: «أريد أن أموت كهذه السنيورة (السيدة)، بانغ بانغ في الرأس، وينتهي كل شيء»، يناقش سافيانو الصبي سائلاً لماذا الرأس؟ أليست الطلقة في الصدر/ القلب أفضل؟ لكن الصبي الخبير أكثر من الكاتب في الألم يؤكد: «كلا، ففي الصدر تؤلم أكثر بكثير، كما سيستلزمك عشر دقائق حتى تموت، فعلى رئتيك أن تمتلئا دماً... الإصابة في الرأس هي الأفضل لأنك لن تبول على نفسك... ولن تتنفض وتتلوى على الأرض لنصف ساعة». لكن السؤال الأبرز لا يطرحه سافيانو للصبي، بل يتركه للرواية: «لِمَ على صبي في مقتبل العمر أن يعرف كل هذا عن الموت؟». أمر يعود لإيضاحه حين يشير إلى أنَّ قتلة «السنيورة/ السيدة» أصغرهم في السادسة عشرة وأكبرهم في العشرين. في المحصّلة، أنجز سافيانو كتاباً ممتعاً، ومهماً ليس لمن يرغب في التعرّف إلى عصاباتٍ إجرامية فحسب، بل لمن يرى في الصحافة/ الإعلام مهنةً حرفية قادرةً على كشف الحقائق.