التعليقات التركية الداخلية رأت أن العملية في الواقع تمثل «تراجعاً ثانياً» في وجه ضغوط وتهديدات تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش). فبعد التراجع الأول الذي قامت به أنقرة أمام «داعش» في الأشهر الستة الماضية، تحديداً بعد عودة الرهائن الـ46 الذين خطفهم «داعش» عند احتلاله الموصل ومناطق من شمالي العراق في حزيران الماضي، أنقرة استرجعت الرهائن حينها بعد مساومة نفذتها الاستخبارات الوطنية التركية مع التنظيم المتطرّف، ما أكد وجود تواصل بين الأخير والحكومة التركية.


الأهم أن العملية تفتح الطريق أمام أسئلةٍ عن معناها السياسي في ظلّ المستجدات الداخلية والخارجية. نقل رفات جدّ عثمان الأول جاء بعد توقيع أنقرة والولايات المتحدة، في 19 شباط الجاري، على وثيقة تدريب «القوات المعتدلة» في سوريا وتجهيزها، في وقتٍ كان فيه رئيس الأركان يعقد اجتماعاً في السعودية مع دول «التحالف الدولي» لعرض التدابير الجديدة في استراتيجية محاربة «داعش»، إضافة إلى عودة وزير الدفاع التركي، عصمت يلماز، من اجتماعٍ مماثل في واشنطن تحت رعاية الرئيس الأميركي باراك أوباما.
لعلّ هذه المؤشرات أوحت للحكومة بأنه يمكن لـ«داعش» القيام بهجومٍ على الجنود الذين يحرسون الضريح في مكانه القديم، ما سيلحق الضرر بصورة الحكومة وحزب «العدالة والتنمية»، لا سيما أن تركيا على أبواب انتخابات برلمانية خلال أشهر، قد تغيّر شكل الحكم في البلاد. فقررت أنقرة نقل الضريح إلى موقعٍ قريب من الحدود التركية، في المنطقة الخاضعة لسيطرة الأكراد. نسقت الحكومة مع حزب «الشعوب الديمقراطي» الكردي المشارك في المحادثات التي تخوضها الحكومة مع زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبدالله أوجلان الذي دعا أول من أمس مناصريه إلى حضور مؤتمر «نزع السلاح» في الربيع المقبل.
من جهةٍ أخرى، أخذت العملية حيّزاً من الجدل الداخلي، خصوصاً المتعلّق بتفرّد أردوغان بالقرار بصورةٍ شبه تامة. ففيما منحت الصحافة تغطية كبيرة للعملية ولدور أحمد داود أغلو فيها، حيث عرضت صوراً له وهو محاط بالمسؤولين والجنرلات في اجتماع خاص بالعملية، سارع المتحدث باسم رئاسة الجمهورية، ابراهيم كالين، إلى التصريح بأن القيادة والقرار في هذه العملية كانا للرئيس أردوغان، ثم جرى التنسيق مع داود أوغلو. هذا الإعلان يأتي متزامناً مع دعوة أردوغان مجلس الوزراء إلى الانعقاد يوم 9 آذار المقبل، وسط توقعات بأن يترأس بنفسه الاجتماع كما جرى في 19 كانون الثاني الماضي، حيث التأمت الحكومة برئاسته، في خرقٍ للدستور وتعدٍّ على موقع داود أوغلو ومكانته. ويتردد في الدوائر السياسية التركية اليوم أن أردوغان بات يريد من رئيس الوزراء التشاور معه في كل القرارات الحكومية، ما يدفع داود أوغلو إلى الشعور بالضيق.
كذلك، يأتي الخلاف بشأن استقالة مدير الاستخبارات حقان فيدان من منصبه، ليؤكد تضارب المصالح بين أوغلو وأردوغان الذي عبّر عن اعتراضه على خطوة فيدان، طالباً منه عدم الاستقالة وموحياً بأن الأمر تمّ نتيجةً لاتفاق بين فيدان وداود أوغلو.
هذه الممارسات تثير تساؤلات الداخل التركي في حال فوز «العدالة والتنمية» بأغلب المقاعد البرلمانية حول موقع رئاسة الوزراء ودورها وصلاحياتها، إذا تمكن أردوغان من تحويل نظام الحكم في تركيا إلى رئاسي. وليس من قبيل الصدفة إصدار الرئيس السابق، عبدالله غول، أحد مؤسّسي حزب «العدالة والتنمية»، تحذيره حول أهمية فصل السلطات وتحديدها قبل إقرار نظامٍ رئاسي، حيث تتلاقى مخاوفه مع آراء بعض التيارات داخل «العدالة والتنمية».
التناقضات الداخلية تبرز في ظلّ متغيرات سياسية تطال السياسة التركية في المنطقة، لا سيما بعد عودتها إلى الحضن الاميركي، وإعادة رسم تحالفاتها في المنطقة، بعد النكسات التي أصابت سياسيتها الخارجية، إذ يمكن القول إن واشنطن تقوم بعملية «إعادة هيكلة» في المنطقة، على صعيد تمتين التحالف ضد «داعش»، وحفظ «حصص» تركيا في ليبيا ومصر حيث يجري الضغط على إعادة دمج «الإخوان» في السياسة الداخلية، إضافة الى الاتفاق على تدريب «المعارضة السورية»، وحجز الدور الأكبر في هذه العملية لتركيا. هذه التسويات يمكن القول إنها أخرجت حقان فيدان من الأمن بعد خسائر كبيرة، للعمل في السياسة من دون دفع أثمان باهظة، كان يمكنها أن تؤدي إلى تحميله مسؤولية هزائم الحقبة الماضية.