غزة | عاش أهل مدينة رفح ممن دمرت منازلهم عام 2006 خلال اجتياح بري إسرائيلي ثماني سنوات وهم يتنقلون من منزل إلى منزل، حتى «تكرمت» المملكة السعودية لإعادة بناء بيوتهم. وبعدما صار لهم مساكنهم الخاصة وشعروا فيها بالهدوء والاستقرار، لم يدم هذا الوضع سوى شهر واحد، إذ تعرض «الحي السعودي» في رفح لقصف دمر منازلهم للمرة الثانية. وليس هذا فحسب، بل حصد أرواح 23 فرداً من سكان الحي.


وجرى بناء هذا الحي بين حي تل السلطان وساحل البحر المتوسط، وهو يطل على الحدود الفاصلة بين قطاع غزة ومصر، ويسكنه من هدمت منازلهم في ذلك الاجتياح بعدما تسلم سكان الحي بيوتهم في أواخر شهر حزيران 2014، علماً بأن بناءه استغرق سنوات طويلة بفعل الحصار على قطاع غزة الذي فرض منذ صيف 2007.
عند الدقائق الأخيرة من منتصف ليلة الأول من آب الجاري، استفاق سكان «السعودي» على انفجار ضخم هز أركانه ليخرج جميع من فيه بعدما صارت عائلة المواطن رأفت زعرب (35 عاماً) هدفاً لطائرات الاحتلال ببرميل متفجر تسبب بانهيار المنزل على ساكنيه، إلى جانب قصف خمسة منازل أخرى مجاورة له.


لم يسكن أهل الحي سوى شهر في بيوتهم التي سلمت لهم بعد 8 سنوات


الحصيلة كانت قاسية، فمن عائلة زعرب فقط كان هناك 13 شهيداً وأربعة آخرون من عائلة صيام كانوا لاجئين في منزل العائلة نفسها، فيما الشهداء الآخرون من الجيران. وبعد وقوع المجزرة، استمرت طواقم الدفاع المدني على مدار أكثر من عشر ساعات في البحث تحت الركام لينتشلوا جثامين الشهداء وهي أشلاء متفحمة، وجلهم من الأطفال والنساء.
المواطن محمد البسيوني (43 عاماً) كان أحد المشاركين في انتشال الجثامين، وهو من سكان الحي أيضاً. يقول البسيوني: «ثلاث أسر من عائلة زعرب دمرت منازلها للمرة الثانية، بالإضافة إلى تضرر منازل أخرى». ويظهر أساه لأنهم لم يتمتعوا بعد بمنازلهم قبل أن يعاود الاحتلال استهدافهم، مشيراً إلى أنهم عانوا كثيرا خلال السنوات التسع التي مضت، «لكن يبدو أن الاحتلال لا يقبل بأن نشعر بالأمن نهائياً في مدينتنا».
«الأخبار» استطاعت أن تتحدث مع ناجيتين من عائلة زعرب هما الطفلة سجى (9 سنوات) وشيماء (18 عاماً). الحروق غطت جسديهما وجعلتهما عاجزتين عن الحركة. ولا تزال الفتاتان في المستشفى الكويتي في رفح تتلقيان العلاج، كما لم تعلم سجى بمصير من كانوا بجوارها.
بكلمات خجولة، وصفت الطفلة ما حدث لهم وهي تشعر بفقدان أمها وإخوتها، قائلة: «كنا قاعدين بالغرفة إحنا واولاد عمي وبدنا ننام، وفجأة سمعنا صوت انفجار كبير بعدها ما عرفت شو صار معي».
بريق ضوء كبير كان الفيصل بين سجى وشيماء والعائلة التي راحت ضحية هذه المجزرة، قائلة: «لمحت ضوء الصاروخ كالبرق، ولما صحيت لقيت حالي بالإسعاف».
أما شيماء، فبمجرد أن استيقظت بدأت بالسؤال عن عائلتها وخاصة والدها ووالدتها. تقول خالتها أم محمد: «عائلة عمتها وخالتها (العائلة النازحة) هربوا من منازلهم خوفاً على حياتهم، لكنهم استشهدوا في المكان الذي هربوا إليه».
تمسك شيماء بيد أختها الصغيرة سجى لتطمئنها إلى أن عائلتهما بخير، وكل ما حدث أن المنزل الذي حلموا به كثيراً انهار وباقي العائلة في مستشفى آخر. لكن سجى ظلت تكرر السؤال: «وين أهلي، بدي أمي، إيش صار لأخواني». وكل من جاء لمواساتهما لم يستطيعوا أن يجيبوها خوفاً مما قد يلحق بها، فلا شيء يمكن أن يقال في جريمة ترك زهرتين كسجى وشيماء وسط صحراء مليئة بالهموم.