لم تُسجّل مجريات جلسة انتخاب رئيس للجمهورية أي مفاجأة. سارت كما كان مرجّحاً لها ومسرّباً عنها. النتيجة كانت شبه محسومة. عجز عن انتخاب رئيس في الدورة الأولى. سقوط مدوٍّ للمرشح سمير جعجع. تطيير النصاب، فرفع الجلسة. خرقان وحيدان حصلا أمس: حصول المرشح هنري حلو على 16 صوتاً في الدورة الأولى، والزي الذي ارتدته النائبة ستريدا جعجع. فبعدما تساءل كثيرون عما إذا كانت ستختار اللون الأبيض كما جرت العادة، دخلت جعجع بلباس أحمر لفت انتباه جميع الحاضرين.


«جعجع ما سقط»

52 ورقة بيضاء أيقظت سمير جعجع من حلمه الرئاسي. لم ينجح رئيس حزب القوات اللبنانية، في نيل الأكثرية المطلوبة للوصول إلى بعبدا. لم يحصل على ثلثي الأصوات. كل الدعم الآذاري له، والاستعراضات التي سبقت جلسة الانتخاب، لم تُثمر سوى 48 ورقة صوّتت له. وفيما تهرّب نواب القوات من التعليق على خسارته، أصرت زوجة الحكيم على موقفها. بعد الجلسة، عقدت مؤتمراً صحافياً، اعتبرت فيه أن ما حصل هو «عرس للديموقراطية»، وأن 48 صوتاً «رقم جيد». تمنت لو كان هناك «مرشح قوي في وجه زوجها، كالنائب ميشال عون، مثلاً»، مقللة من شأن المرشح الرئاسي هنري الحلو. تصرف القواتيون وكأن «جعجع لم يسقط»، مؤكدين أنه «لن يسحَب ترشيحه».

«عاش مين شافكن مجتمعين»

لم يكُن محيط ساحة النجمة مكتظاً بالأمن، رغم إغلاق الطرقات المؤدية إليه. عناصر قليلة توزّعوا على المداخل. اصطفّت مقابلها طوابير طويلة تنتظر إشارة المرور. في الباحة الأمامية للمجلس، خليّة إعلامية توزّع صحافيوها وعدسات كاميراتها على الجهتين الملازمتين للباب الرئيسي، الذي يدخل منه النواب والوزراء. قبل ساعتين من موعد الجلسة، كان الجميع قد استنفر كل حواسه وإمكاناته لتسجيل اللقطات أو الأحاديث الجانبية مع وزير هنا أو نائب هناك. فالحدث هذه المرة ليس عادياً. ورغم اقتناع الجميع بأن نواب الأمة لن يتمكنوا من انتخاب خلف للرئيس ميشال سليمان، بقي اجتماع مجلس النواب أمس يحمل عنوان «انتخاب رئيس للجمهورية». سبق الرئيس نبيه برّي الأكثرية النيابية في الوصول إلى المكان، مع عدد من نواب كتلته. ومن بعده العماد ميشال عون، الذي عقد خلوة مع برّي قبل بدء الجلسة، قبل أن ينضم إليهما النائب سليمان فرنجية والنواب محمد رعد وطلال أرسلان ووليد جنبلاط.
بدأ توافد النواب بعد ذلك. كل منهم يرافقه ثلاثة أو أربعة من زملائه في الكتلة. وحده النائب غازي العريضي أتى منفرداً. لا نائب في 14 آذار يلحق به، ولا زميل في جبهة النضال يمسك بيده. شُغل بعض النواب في التصريح ضد جعجع، فيما تحدّث بعضهم الآخر عن حسبة التصويت، مؤكداً أن «48 ورقة ستصبّ في مصلحة جعجع، في مقابلها 55 ورقة بيضاء». أما تحليل السيناريوات فكان كلاماً مشتركاً شُغل به الصحافيون في ما بينهم عمّا كُتب في الصحف صباحاً، وعن وجود قطبة مخفية واتفاقات سرّية تهدف إلى تحجيم مرشح 14 آذار، وحرقه في الدورة الأولى. الوزيرة أليس شبطيني في مكان آخر، تتحدث عن جلسة مجلس الوزراء التي ستُعقد الجمعة المقبل.
عند الحادية عشرة والنصف طُلب من الحاضرين، إعلاميين وسياسيين، التوجّه إلى القاعة العامة لحجز مقاعدهم. حصل ذلك بالتزامن مع بدء دخول النواب إلى القاعة، التي خلت من أي حضور سياسي وديبلوماسي غربي وعربي، باستثناء وفد فرنسي يرأسه السفير باتريس باولي. للمرة الأولى، لم يكُن الاستحقاق الرئاسي في لبنان محط اهتمام دولي وإقليمي، على الأقل في الشكل. تُرك للبنانيين أمر انتخاب رئيسهم، فصوّت نواب الأمة لجعجع وحلو وعدد من شهداء الحرب. فيما نالت الورقة البيضاء أصوات الأغلبية.

الترحيب بحلو كان
حاراً من قبل نواب من مختلف الكتل، ولا سيما كتلة القوات

عادة يغيب عدد كبير من النواب المنتخبين من الشعب عن الجلسات التي تُعنى بأمور المواطن. لكنهم هذه المرة حضروا بعدد ساحق. حتى الأقطاب أتوا. وحدهم النواب سعد الحريري وعقاب صقر وخالد ضاهر وإيلي عون تغيبوا. 124 نائباً التزموا تلبية الدعوة على اعتبار أن الحضور واجب وطني. حضور لم يتأمن خلال كل الجلسات التشريعية في السنوات الماضية.
في الجلسات العادية، لم يكن أحد ليتنبّه إلى وجود النائب حلو. أمس، دخل المرشّح الرئاسي لجبهة النضال على وقع تصفيق زميله أحمد فتفت. الترحيب بحلو كان حاراً من قبل نواب من مختلف الكتل، ولا سيما كتلة القوات، وبدوره حرص على إلقاء التحية على عدد كبير منهم. لكن التحية الموجهة له، لم تكن على قدر حرارة التحية التي ألقاها النائب وليد جنبلاط على زميلته جيلبيرت زوين. كان مقعد النائبة العونية وجهته الأولى. ركض إليها فور دخوله، هاتفاً بدهشة: أووووه.. كأنه لم يرها منذ سنين. ضمها قبل أن يكمل حديثه مع عدد من نواب تكتّل التغيير والإصلاح. وفيما كان الوفد الفرنسي مشغولاً بالتقاط صور للنواب والقاعة، كان كل من النائبين المستقبليين سمير الجسر وهادي حبيش يراجعان مواد الدستور اللبناني، ومعهما النائب غسان مخيبر الذي بحث طويلاً في الأدراج بهدف الحصول على نسخة له. في الفترة الفاصلة بين دخول النواب وافتتاح الجلسة، التفّ النواب البرتقاليون حول العماد عون. ينضم إليهم جورج عدوان تارة، ونواب من المستقبل تارة أخرى. أما نواب كتلتي «الوفاء للمقاومة» و«التنمية والتحرير» فالتزموا أماكنهم. تلهّى معين المرعبي بفنجان قهوة أحضره معه، فيما فضّل إميل رحمة تصفّح إحدى الجرائد، ونديم الجميّل اكتشاف التطبيقات الجديدة على هاتفه الخلوي. أما نواب طرابلس فتكتلوا جنباً إلى جنب بعدما اتخذوا قراراً بعدم التصويت لجعجع، مراعاة لخصوصية المدينة ومكانة الرئيس الشهيد رشيد كرامي.
عند الثانية عشرة بالضبط افتتح بري الجلسة. على عكس ما جرت العادة، لا نوّاب متغيبون بعذر. نظر برّي إلى الحضور معلّقاً: «عاش مين شافكن مجتمعين». طلب من النواب الاستعداد للتصويت، قبل أن تقاطعه النائبة جعجع مطالبة بإعلان أسماء المرشحين. لم يكُن لها ما أرادت. تجاهل برّي طلبها، فلم يذكر سمير جعجع ولا هنري حلو، معلقاً: «الأسماء المرشحة معروفة». صحيح أن النتيجة كانت شبه محسومة، والإخراج معروفاً، إلا أن النواب مارسوا دورهم بإتقان. أخذت «الديموقراطية» مجراها. هم كانوا يطبّقون قواعد اللعبة. بالتزامن مع تلاوة أسمائهم، أسقطوا الأوراق التي وُزّعت عليهم في الصندوق. استحوذ شكله على اهتمام الوزير الكتائبي سجعان القزي، الذي حرص على أخذ صور للذكرى.
انتهت عملية الفرز في الدورة الأولى من دون الوصول إلى انتخاب رئيس بسبب عدم حصول أي من المرشحين على أصوات ثلثي المجلس. أما النتيجة، فكانت 48 صوتاً لجعجع، 16 صوتاً لحلو، صوتاً واحداً للرئيس أمين الجميّل و52 ورقة بيضاء، إضافة إلى 7 أوراق ملغاة. وكان بارزاً أن معظم الأوراق الملغاة حملت أسماء ضحايا حكم القضاء على سمير جعجع بقتلهم في الحرب الأهلية. صوّت كل من نبيل نقولا وعباس هاشم لطارق داني شمعون، فيما صوّت حكمت ديب لداني شمعون. أما فادي الأعور، فسجّل اسم الرئيس الراحل رشيد كرامي، وزياد أسود لجيهان طوني فرنجية، فيما أسقط محمد كبارة مغلفاً فارغاً، وبقي اللغز اسم النائب الذي صوّت لالياس الزايك. واعتبرت هذه الأوراق جميعها ملغاة.
فور الانتهاء من التصويت، هبّ نواب 8 آذار للخروج من الجلسة. التفت إليهم برّي قائلاً: «هيدي روحة ورجعة»، فردّ عاطف مجدلاني: «لا. هيدي روحة بلا رجعة». وعلمت «الأخبار» أن نواب المستقبل هم من كانوا يستعدون للخروج، قبل أن يلتقي فتفت بأحد نواب عون في الخارج، وعلم منه أن العونيين وحلفاءهم في صدد تطيير النصاب. حينها تراجعت كتلة المستقبل عن قرارها حتى يظهر فريق 8 آذار أنه من أفقد النصاب لا المستقبل. ولذلك لم تُعقد دورة ثانية، فحدد الرئيس برّي لها موعداً نهار الأربعاء المقبل. بعد انتهاء الجلسة بدا نواب 8 آذار أكثر ارتياحاً نتيجة التصويت. تحديداً نواب الرابية. فقد أكد عدد منهم «انتهاء هذه المسخرة، وقطع الطريق أمام الديموقراطية التي تسمح بترشح قاتل له تاريخ طويل من المجازر». فيما استبعد نواب حزب الله وحركة أمل إمكانية عقد جلسة الأربعاء المقبل، بسبب «عدم إمكانية تأمين النصاب المطلوب».



الأوراق البيضاء لي

لم يكن سمير جعجع وهنري حلو وحدهما المرشّحين لرئاسة الجمهورية. فتريسي شمعون ونادين موسى وبشارة أبي يونس هم أيضاً مرشحون حضروا إلى مجلس النواب. كان للثلاثة مكان داخل قاعة الهيئة العامة. واكبوا مجريات الجلسة. رفعوا أيديهم كي يلتفت إليهم الرئيس نبيه برّي. الأخير لم يعطهم أهمية، فهو لم يسمع باسم موسى وأبي يونس من قبل. وفي مقابل قلّة الاهتمام بهم، عوّض النائب سليمان فرنجية على المرشحة شمعون، فسلمّ عليها من مقعده، فيما جاورت هي الإعلاميين.
شُغل الثلاثة في التواصل مع الإعلاميين بغية إيصال صوتهم. أكدت شمعون لـ«الأخبار» أن «ترشّحها في وجه سمير جعجع هو رمزي، كي لا ننسى جرائمه ومجازره»، مذكّرة باغتياله لوالدها داني شمعون وأخويها. أما أبي يونس، فأوضح أن «الأوراق البيضاء هي تصويت لاسمه»، مؤكداً أنه «يدعم أي مرشح وفاقي للرئاسة».