تواصل «الأخبار» نشر فصول الوثيقة المسرّبة التي أعدّها مستشارو ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وتكشف خطط السعودية ووسائلها لشنّ حرب ذات مستويات متنوّعة ضدّ طهران. وقد عرض السعوديون خططهم ومشاريعهم لمناهضة إيران، في أوائل سنة 2017، على فريق دونالد ترامب للتباحث في شأنها، ولتنسيق الجهود السعودية والأميركية في العمل على تطويرها، من أجل حصار إيران وعزلها وخنقها وتقويض نظامها السياسي. وترد الوثيقة المذكورة ضمن ملحق لمجموعة من المبادرات السعودية الأخرى المعروضة على الرئيس الأميركي بعنوان «مبادرات رؤية المملكة العربية السعودية للشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية». ويرى واضعو الخطط المقدّمة إلى الأميركيين، كما يرد في مقدمة الوثيقة، أنّ «السعي المشترك بين البلدين نحو تحقيق الحدّ الأقصى من هذه المشاريع يمكّن من التسريع في التصدّي لسياسات إيران». وتحتوي الوثيقة على مخطَّطَين متوازيين أعدّهما النظام السعودي لمواجهة سياسات النظام الإيراني. وقد اختير للخطتين اسمان رمزيان هما: «نمرود» و«العنكبوت». أمّا الهدف من هاتين الخطتين، فهو «إعادة توجيه عدم الاستقرار إلى داخل الحدود الإيرانية بالحدّ الأدنى، والعمل على تمكين نظام في إيران يخدم مصالح المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية بالحدّ الأقصى».

«العنكبوت»: من الحرب الناعمة إلى «هندسة ثورة»!

يهدف مشروع «العنكبوت» إلى استخدام قدرات الحرب الناعمة المختلفة لزعزعة النظام الإيراني، في مدّة لا تتجاوز ثلاث سنوات. ومن الوسائل المعتمدة في هذا المشروع تنظيم حروب سياسية واقتصادية ومالية وسيبرانية وإعلامية ونفسية وقانونية... والهدف من كل ذلك هو تغيير نظام الحكم في إيران، بحيث يصبح نظاماً «لا يرعى الإرهاب، ولا يهدّد استقرار دول الجوار، ولا يسعى إلى تطوير القدرات العسكرية النووية»، كما تورد الوثيقة السعودية.
ويسير العمل في برنامج «العنكبوت» في مسارين متوازيين: الأول تستغرق مدته ثلاث سنوات، كما برمج المخططون السعوديون. ويحقق هدف زعزعة الدولة الإيرانية على المدى المتوسط، وتغيير نظام الحكم على المدى البعيد. وأمّا المسار الثاني، فمداه قصير لا يتجاوز اثني عشر شهراً. والغرض منه «بعث رسالة إلى قادة النظام الإيراني مفادها أنهم سيدفعون ثمن تدخلاتهم في المنطقة، وأنّ الجانب الآخر لديه قدرة على الردع".
تفصّل الوثيقة السعودية استراتيجية برنامج «العنكبوت» ومراحله، في مرتكزين أساسيين، هما:

أ- الضغوطات الاقتصادية على الشعب الإيراني:
وذلك من خلال إضعاف الاقتصاد المحلي، ورفع نسبة التضخم، وزيادة معدّل البطالة، ورفع أسعار المعيشة. إضافة إلى الاستنزاف المالي للحكومة من خلال إجبارها على الاستمرار في دعم مصروفات الداخل والخارج، على مسارح العمليات في سوريا والعراق ولبنان واليمن وأفغانستان. وتجفيف احتياطيّات العملة الصعبة، وخفض الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتمديد العقوبات. ويعتقد السعوديون أنّ هذا الضغط الاقتصادي سيزيد من شكوى الإيرانيين ومطالبتهم بحرية الرأي وحقوق المرأة وحقوق الإنسان.

ب- الضغوطات السياسية على نظام الحكم الإيراني
وذلك من خلال:
نزع الشرعية عن النظام الحاكم، من خلال تضخيم مظاهر الفساد فيه، وإيضاح أنه المتسبّب في معاناة الشعب الاقتصادية والاجتماعية.
تعطيل الإدارة الحكومية، من خلال تحويل القوة الاقتصادية من القطاع العام الذي يتحكم فيه النظام إلى القطاع الخاص.
تقوية الحركات المناهضة للحكم، وبناء قيادات بديلة للنظام الحاكم لديها رؤية للتغيير الجذري.
تحويل معاناة الشعب إلى رغبة في تغيير النظام، من خلال حملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وإسناد الثوّار وتوفير شبكة دعم للمعارضة.
تنسيق انتفاضة اجتماعية، من خلال تعطيل الاتصالات الالكترونية، وتنسيق احتجاجات على نطاق واسع، وإحداث أضرار في البنية التحتية، وإحداث فجوة بين النظام والجيش، وتوسيع التغطية الإعلامية الخارجية والداخلية للأحداث الإيرانية.
هندسة الثورة، من خلال تنظيم نقطة تحوّل رئيسية في الثورة، وتحضير القيادة البديلة للنظام الحاكم الجديد.

التعاون مع أميركا
وتمضي الوثيقة السعودية المسرّبة لتكشف ما تسميه «الممكّنات للتعاون الثنائي بين السعودية والولايات المتحدة لتقويض النظام الإيراني»، بأن يجري العمل على «إنجاز مركز عمليات يعمل على مدار الساعة، ومجهّز بأنظمة إلكترونية لمراقبة سير البرنامج وقياس أدائه، وتقييم نتائجه، والأثر الذي أحدثه في العدوّ. ومن الممكن استخدام هذا المركز لمراقبة وقياس مدى استقرار نظام الحكم الإيراني».
ولا ينسى واضعو الخطط السعودية أن يمتدحوا عملهم للأميركيين ويشيدوا بما أنجزوه. فتزعم الوثيقة السعودية المقدّمة إلى مستشاري ترامب، أنّ مشروع «العنكبوت» السعودي حُدّدت له، في جميع مراحله، عناصر لقياس النجاح، وخلال مدّة زمنية محددة. وستُطبّق على البرنامج السعودي ضوابط القيادة والسيطرة التي تتمتع بمرونة كافية لتعديل الجهد الاستخباراتي أو العملياتي الموجّه إلى العدو، حسب متطلبات الموقف. وستكون هناك مراجعة للبرنامج كل ثلاثة أشهر تشمل تقريراً استخبارياً، وتقدير موقف للعمليات، ودرساً لما تمّ إنجازه من أهداف، وفق مزامنة محدّدة بحيث يعطي البرنامج نتائجه بتسلسل معيّن يؤدي في النهاية إلى الهدف المطلوب.

بدأنا العمل؟
وتختتم الوثيقة السعودية المسرّبة، والتي قدّمت إلى الأميركيين، بكشف يبيّن مجموعة من الأعمال السعودية ضدّ إيران، بعضها تمّ بالفعل، والأخرى جاهزة للإطلاق. ومن بين تلك الأعمال:
◄ اختراق تنظيم بلوشي فاعل، والحصول على معلومات استخبارية وعسكرية مهمة من الداخل الإيراني. وتزعم الوثيقة السعودية أنّ هذا الاختراق حقّق الإبطاء في تنفيذ النظام الإيراني لمشروع خط أنابيب الغاز عبر أراضي بلوشستان.
◄ خلق قنوات قوية مع الأحوازيين، وتنسيق مؤتمرين عربيين لفائدتهما، عُقدا في القاهرة والبحرين. كما سيتمّ تحضير مؤتمرين آخرين أحدهما في لندن، والآخر في ربكسن.
«نمرود»: العزل بالإعلام والتحريض

إنّ الهدف الأساس من مشروع «نمرود»، كما جاء في الوثيقة السعودية المسرّبة، هو «مواجهة سياسات النظام الإيراني العدائية، ومواصلة عزل إيران في العالم». ونطاق العمل في هذا المشروع السعودي هو إعلامي بالأساس، إذ يقوم على «إطلاق حملات إعلامية تهدف إلى التوعية بالمخاطر التي يمثّلها النظام الإيراني لأمن المنطقة والعالم».
ويفصّل السعوديون أعمالهم التي يقومون بها ضدّ الإيرانيين، ومخططاتهم المستقبلية لتطوير مشاريعهم المناهضة لإيران، بالتعاون مع الأميركيين. فيوردون بعض الأشغال التي أنجزوها بالفعل، أو التي يخططون في المستقبل القريب لإنجازها. منها مثلاً:

أ - Iran tag
وهو موقع يعمل على المتابعة والرصد اللصيق لوسائل الإعلام الإيرانية، وبخاصة القنوات التلفزيونية، وتصريحات أركان النظام الإيراني في المحاضرات والندوات. ومن ثمّ ترجمتها إلى اللغة الإنكليزية ونشرها. ويهدف هذا الموقع الذي تموّله السعودية إلى «فضح ممارسات النظام الإيراني داخل وخارج إيران أمام الرأي العام»، حسبما يرد في الوثيقة. وأمّا الجمهور الذي يستهدفه موقع «إيران تاغ» السعودي التمويل، فغالبيته من المهتمين بالشأن الإيراني كالباحثين والصحافيين والإعلاميين. ولكنه يحاول أن يوسّع دائرة جمهوره، من خلال ترجمة محتواه إلى لغات عدة كالفرنسية والإسبانية والألمانية.

ب - وكالة «أنباء الشؤون الإيرانية»
يهدف هذا المشروع، كما يورد واضعو الوثيقة السعودية، إلى سدّ الفراغ في مصادر الأخبار عن إيران. لأنه لا توجد وكالات أنباء تنشر أخباراً باللغة الفارسية غير الوكالات الحكومية الإيرانية. وهذا «ما يجعل النظام الإيراني يسيطر على وسائل الإعلام، من خلال سيطرته على وكالاته الإخبارية».

ج - القنوات التلفزيونية
تهدف السعودية إلى إنشاء محطة إخبارية تلفزيونية تبث باللغة الفارسية، لكي تكون «المرجع الإخباري المستقل الأول لسبعين مليون إيراني في الداخل والخارج». ويتصور المخططون السعوديون أنّ ذلك أمر ممكن «عبر بناء صدقيّة عالية في توضيح مساوئ النظام في طهران بأسلوب إعلامي مُقنع». ويخصص السعوديون لإنجاز هذا المشروع التلفزيوني سبعين مليون دولار أميركي، كميزانية سنوية. وتقوم سياسة المحطة السعودية باللغة الفارسية على تفنيد التصريحات الرسمية بشكل غير مباشر. ويطمح السعوديون إلى تطوير محطتهم في السنوات المقبلة لتصبح «شبكة إعلامية متكاملة تتوجه إلى الإيرانيين بلغات مختلفة كالعربية والتركية».
يهدف المشروع إلى إطلاق السعودية حملات إعلامية ضدّ إيران


(المحرر: بعد سيطرة ولي العهد السعودي على مجلس إدارة مجموعة MBC، إثر اعتقال رئيسها الوليد إبراهيم وإلزامه التنازل عن حصص كبيرة، قرّر ابن سلمان صرف مئة مليون دولار كاستثمار جديد في المجموعة، على أن تُنفق في جانب منها على محطات تستهدف لبنان والعراق وإيران، وطلب إلى القيمين على المحطة إعداد البرامج السياسية والفنية والثقافية والاقتصادية المُنجزَة باللغة الفارسية).

د ــ حساب [email protected]
هو حساب سياسي أنشأته السعودية لرصد التطورات على الساحة الإيرانية، وتحليلها. وهو يغرّد باللغة العربية في المقام الأول، وكذلك باللغتين الإنكليزية والفارسية. وبلغ عدد متابعي الحساب ستمئة ألف متابع. وقد عمل القائمون على هذا الحساب، على تنسيق حملة على «تويتر»، في مناسبة ذكرى انتصار الثورة الإيرانية، هدفت إلى «توضيح حقيقة النظام الإيراني، وفضح جرائمه الإرهابية، ودعمه للطائفية حول العالم»، حسب وصف الوثيقة السعودية.



اختيار المُسمَّيات: جهل أم غباء؟
من العجيب أنّ السعوديين لم يجدوا اسماً يطلقونه على مخطّط محمد بن سلمان ضد إيران سوى «مشروع نمرود». ونمرود، حسبما جاء في مَرويات المؤرخين المسلمين كالطبري، هو الملك الطاغية الذي حاجَّ النبي إبراهيم في ربّه، وأمر جنوده أن يُلقوا به في النار.
وأعجب من انتقاء اسم «نمرود»، هو أنّ السعوديين لا يجدون لمخطّطهم الآخر ضد إيران من الأسماء سوى مشروع «العنكبوت». وللعنكبوت في الثقافة الإسلامية دلالة قبيحة أيضاً، فهي ترمز إلى الكيد واللؤم والوضاعة. ثم إنّ العنكبوت وخيوطها مثال للضعف والهزال والوهن.