لم يتمكن الاجتماع الذي انعقد، مساء الأربعاء، بين ممثلي الحزبين الرئيسين في ألمانيا (الاتحاد المسيحي الديموقراطي، والاشتراكي الديموقراطي)، بحضور المستشارة أنجيلا ميركل، من التوصل إلى اتفاق على إنهاء تجميد بيع الأسلحة للسعودية، والذي كان تم تمديده حتى الـ31 من آذار/ مارس الجاري. فشل دفع الحكومة إلى إعلان تمديد إضافي للتجميد لستة أشهر، بعدما تمسّك «الاشتراكيون» بمطلب الاستمرار في قرار الحظر، وهو ما عبّر عنه أمس نائب رئيس الحزب، رالف ستيغنر، بقوله «(إننا) لا نريد تصدير أسلحة إلى مناطق أزمات وديكتاتوريات». في المقابل، حاول المحافظون الدفع في اتجاه وقف العمل بالقرار، متذرعين بضرورة احترام الاتفاقات الموقعة مع الشريكين الفرنسي والبريطاني، ومحذرين من إقدام شركات ألمانية على رفع دعاوى قضائية ضد الحكومة الألمانية على خلفية إمكانية أن يطيح التجميد مئات فرص العمل. وعلى رغم أن «حلولاً وسطاً» تم تداولها خلال الاجتماع المذكور، إلا أن الطرفين عجزا أيضاً عن التوافق على أيّ منها.

في خلفيات ذلك الانقسام المتواصل، يبدو أن ثمة حسابات متصلة بالانتخابات الأوروبية المرتقبة في أيار/ مايو المقبل، وخصوصاً أن استطلاعات الرأي لا تفتأ تظهر معارضة شعبية واسعة للاستمرار في بيع الأسلحة للسعودية. في هذا الإطار، يلمّح «المسيحي الديموقراطي»، الذي تقوده ميركل، إلى أن خصمه «يحوّل مسألة التصدير إلى بند في أجندته الانتخابية» وفق ما نقلت مجلة «دير شبيغل» الألمانية عن النائب عن الحزب ماركو فاندرفيتز. ومع أن من الصعب اعتبار «الاشتراكي» «ممثلاً للعمّال»، إلا أنه يَظهر أكثر تحرراً من ضغوط «لوبي شركات الأسلحة»، خلافاً لما هي عليه حال «المسيحي الديموقراطي» «الأقرب تقليدياً لأرباب العمل والشركات والصناعيين»، وفقاً لتوصيف خبراء. ومن هنا، يمكن فهم الموقف الذي يتخذه الأخير، والذي جدّده في اجتماع أول من أمس، علماً بأن الضغوط الممارَسة عليه لا تأتي فقط من جانب الشركات الألمانية، إنما أيضاً من لدن الشركات الفرنسية والبريطانية التي تشكل مع نظيرتها في ألمانيا ما يشبه أخطبوطاً مترابط المصالح والاستراتيجيات.
نموذج من ذلك شركتا «إير باص» و«بي إيه إي سيستمز» البريطانيتان وشركة «ليوناردو» الإيطالية، التي تشترك جميعها مع ألمانيا في إنتاج طائرات «يروفايتر تايفون»، التي ثمة اتفاق على توريد 48 مقاتلة منها للسعودية. اتفاق يمثل واحدة من الصفقات التي أظهرت كل من باريس ولندن شراسة في الدفاع عنها، ولوم برلين على عرقلتها، وفق ما أظهرته رسالة بعث بها وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت، إلى نظيره الألماني هايكو ماس، الشهر الماضي، وحذر فيها من تأثير القرار الألماني على «قطاعَي الصناعات الدفاعية البريطاني والأوروبي، والعواقب على قدرة أوروبا على الوفاء بالتزاماتها تجاه حلف شمالي الأطلسي». وبلغ الأمر بالدولتين، اللتين تتصدّران لائحة مزوّدي السعودية الأوروبيين بالأسلحة والمعدات العسكرية، حدّ اتهام ألمانيا بالمراوغة في تعاملها مع هذا الملف، بحسب ما كرّرت الثلاثاء الماضي السفيرة الفرنسية لدى ألمانيا، آن ماري ديسكوت، التي وصفت السياسة الألمانية في مجال بيع السلاح بـ«المتقلبة». وهو اتهام سبق أن ظهّرته وسائل الإعلام الفرنسية، مثلما فعلت «لا تريبيون» التي أسبغت وصف «النفاق» على ما تقوم به برلين.
وبمعزل عن الاتهامات البريطانية والفرنسية، فإن السياسة الألمانية لا تبدو بعيدة عن هذا التوصيف. إذ دائماً ما كانت برلين تتخذ قرارات مشابهة بحظر التصدير إلى الرياض، ولكن سرعان ما كان مفعول القرار يتبدّد في كل مرة. وذلك ما تؤكده أرقام صادرات الأسلحة التي حافظت على ثبات، وازدادت خلال الأعوام الأخيرة. ففي عام 2015، بلغت تلك الصادرات نصف مليار يورو، لترتفع عام 2017 إلى أكثر من مليار يورو. أما في عام 2018، فقد وصلت، حتى تشرين الثاني/ نوفمبر، إلى 400 مليون يورو، بحسب ما اعترفت به الحكومة نفسها خلال اجتماع «مجلس الأمن الاتحادي» أول من أمس. منذ الشهر الـ 11 من السنة الماضية، أي عقب شهر من اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، بدأ سريان حظر الأسلحة الذي أرادت من خلاله ميركل امتصاص الغضب المتصاعد على الاستمرار في التعامل مع الرياض، وفي الوقت نفسه الحفاظ على ائتلافها الحكومي الذي كان من شروط قيامه وقف تصدير المعدات العسكرية للدول المشاركة في حرب اليمن بـ«شكل مباشر»، واستثناء الموافقات الصادرة سابقاً من أي تجميد.
أما اليوم، وفي ظلّ «غضبة» الشركات الألمانية على تمديد قرار الحظر، وتصاعد الضغوط الأوروبية، ولا سيما منها الفرنسية والبريطانية، على الحكومة الألمانية، تجد ميركل نفسها مجبرة على الدفع في اتجاه تليين الموقف، الأمر الذي لم تفلح فيه إلى الآن. إخفاق ربما يدفع إلى تبنّي خيارات مؤقتة بديلة، في انتظار تبلور توافق على قرار بكسر الحظر بين الحزبين الحاكمين. وفي هذا الإطار، تتحدث الصحف الألمانية عن احتمال أن تعمد الحكومة إلى شراء ستة قوارب وسفينة تدريب كانت شركة محلية قد صنّعتها لتصديرها إلى المملكة بكلفة 165 مليون يورو. ووفقاً لوسائل الإعلام تلك، فإن وزراء كل من: الداخلية هورست زيهوفر، والدفاع أورزولا فون دير لاين، والمال أولاف شولتس، وافقوا على المقترح الداعي إلى توزيع القطع المشار إليها على الشرطة الاتحادية والجمارك والبحرية.



إدارة ترامب تبدأ مشاريع نووية في المملكة
أعلن وزير الطاقة الأميركي، ريك بيري، أمس، أن إدارته أعطت الضوء الأخضر لشركات أميركية للعمل على ستة مشاريع نووية في السعودية، على رغم خشية المشرّعين من إمكانية سعي الرياض إلى امتلاك أسلحة نووية. وقال بيري، خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ، إن إدارة الرئيس دونالد ترامب وافقت على «ستة طلبات للقيام بأعمال نووية أولية في السعودية، ولمشروعين في الأردن»، متعهداً بأن «تلتزم الولايات المتحدة عدم قيام السعوديين بإعادة معالجة الوقود لصنع سلاح نووي». وجدّد مخاوف إدارته من أنه إذا لم تكن الولايات المتحدة هي شريكة السعودية أو الأردن، «فستذهبان إلى روسيا والصين من أجل التقنية النووية المدنية»، مضيفاً: «أؤكد لكم أن هذين البلدين لا يباليان بمنع انتشار السلاح النووي». وتابع أن «لدينا تاريخاً في مسألة حظر انتشار السلاح النووي، ولن يقوم بذلك أحد أفضل منا في العالم».