1


أنا الواحدُ المُتَعَددُ في ذاتِ اللَّحظةِ
جَسَدي المَرْمِيُّ في رواقٍ باردٍ
يَتَّقِدُ جَمْراً في خيالِ صبايا نَضِرات
وقلبي الذي كَرُمانَةٍ مشروخةٍ في آخرِ السوق كُلَّما دَلَقَ اللّيل كيسَهُ الأسود على الخَليقةِ
تتحول حَبَّاتهُ الباهتَةُ إلى فوانيسَ مُشِّعة 
في أصابع ملائكةٍ تَدْلُفُ إلى غُرَفِ العزاء الكثيرة هذه الأيام.
أمَّا يدي المربوطةُ إلى خصْرِي

ففي ذات اللحظةِ أيضاً 
تَشُجُّ صُخوراً وأشجاراً، 
تَمسَحُ عرقَ المكدودين وتَشُدُّ شراعاً مع بحارةٍ تائهينَ. 
أنا الواحدُ المُتَعَددُ
تَلْقَفُني الصورةُ في ذات اللَّحظةِ 
في الحانةِ والمسجدِ والمقهى 
في الحَشْدِ وفي البرية
لكنكَ إن رَكّزْتَ الزوومَ أكثرَ فأكثرَ 
حتى يصيرَ الكَونُ قَطْرَةَ ماءٍ صافية
سَتَراني مُنْكَمِشاً
أَمُصّ إبهامي،
جَنِيناً يَنْبُضُ في «إيكوغراف» الله.

2


«إلى زياد عبد القادر في ميلاده»
أَلْمَسُ البابَ بيدي اليُمنى 
فيَتَعَلَّقُ بأصابِعِ اليُسرى أبناءُ الحطَّابينَ الجائعينَ.
أُمَرِّرُ راحتي على وردِ الحدائقِ
فَتَرْتَعِشُ في رئتي فراشةٌ ميتةٌ بينَ تخاريمِ جِذْعٍ شائحٍ.
أنا جِسْرٌ زمنيٌّ من حِبَالٍ وخَشَبٍ رقيقٍ
يَرْبِطُ بين جَبَلَينِ غامضين
وبِمُجرّدِ نظرةٍ أُوقِدُ فُرْنَ الرّغبة في أرملةٍ
كي تلتقي بزوجها الميِّت في جسدي 
أَوصلتُ أيتاماً إلى أمهاتهم
وعاشقينَ إلى عاشقات
في مقعدي أجلسُ جَسَداً هادئاً
لكنَّني في الحقيقةِ صندوقُ بريدٍ يلتقي فيه المُبْعدونَ
ويتكلمون داخلي بِصَخَبٍ وضوضاء كأَيِّ خليّة نحل.

3


إنني أتجول حاملاً سكيناً في معطفي 
لأن هذا العالم أصبحَ مريعاً 
وفي التلفزيون يُحَذِّرُونَنَا من بعض البعض 
ولا أحدَ الآنَ في مَأْمَن
أمشي في الشارعِ ملتفتا يميناً وشمالاً دون توقف 
كأيّل مذعورٍ في وادي الضباع
ثمة شخصٌ يتبعني في كل مكان
ونظراتهُ المريبة تحاصرني 
كما تحاصرُ غيومٌ سوداء صغيرَ ماعزٍ ضائعٍ في البرية البارحة تقدمَ نحوي وهو يلهث وبسطَ يدهُ للمصافحة
دفعتهُ بكلِ قوتي وركضتُ هارباً 
وفي آخر الشارع وجدتُ أشخاصاً يلهثون ومقابضُ السكاكين تطل من جيوبهم كرؤوس الأفاعي المُتحفزة 
عند مداخل الجحور.
لَهَثْنَا معاً لثانيتين وألقيت عليهم التحية
فَفَرُّوا راكضين مُحدثين فوضى
كأن ثعلباً نَطَّ في قِنِّ دجاج.


4



تمكنتُ منكَ أيُّها الشَّيطان 
بإصْبَعٍ واحدٍ دفعتَ صخوراً عظيمةً إلى أعلى الجبل،
حفرتَ أوديةً في صحراء موحشةٍ
وأثرتَ زوبعةً في المحيط
وبنفخاتٍ خفيفةٍ أرسلتَ سُفُنَ الموتِ السوداء
إلى بناتٍ صغيرات كاليرعات 
يَدْلُقْنَ ألوانَ قوسِ قزح على الشاطئ.
ولكنكَ بِكِلْتَا يديكَ فشلتَ في رفعِ نظرةِ العار من على الأرض
نظرة تجوبُ القاعَ كسمكةٍ حزينةٍ في نهرٍ ثقيلٍ 
تمكنتُ منكَ وأنت تُبَرّر هذا
في الكتبِ المسمومة والمؤتمرات والشاشاتِ 
بلا منطقيةِ حكايةِ القردِ الذي يرفعُ سمكةً من النَّهرِ ويضعها على غصنٍ
كي ينقذها من الغرق.
* شاعر تونسي