رفضَ أن يُؤمن ما لم يرَ مواضعَ المسامير في يديّ مُعلمه ويضعَ إصبعه مكانَ الجراح. أعلَنَها صراحةً أنهُ لن يؤمن. أوتنتظرُ دليلاً حسيّاً بعدما رأيتَ كُلَ ما رأيت؟ يا لضعف الإيمان! لكن كثرٌ هم أيضاً ضعيفو الإيمان، غادروا دمشقَ وأداروا لها ظهورهم منتظرين قيامتها ليضعوا أصابعهم في جراحها. مدخلنا إذن هو توما تلميذ يسوع الناصري، توما على اسمه دُعي أحد أبواب دمشق السبعة الأصيلة والأصلية.

لجهة الشمال، «باب توما»، رمزه كوكب الزهرة بحسب المؤرخ ابن عساكر الذي خطَّ «تاريخ مدينة دمشق» في ثمانين مجلداً أنصفت المؤرخ ولم تفِ دمشق حقها. ندخل من الباب على طريقٍ حجريٍّ نحو المدينة القديمة ونكاد نسمع صوتَ صهيلِ خيولِ عمر بن العاص إذ جاءَ إلى دمشقَ فاتحاً عبر هذا الباب.

لأنه:

«في دِمَشْقَ:
تسيرُ السماءُ
على الطُرُقات القديمةِ
حافيةً، حافيةْ
فما حاجةُ الشُعَراءِ
إلى الوَحْيِ
والوَزْنِ
والقافِيَةْ؟»

شرقاً نحو الشمس، رمز «باب شرقي» متتبعين خطى خالد بن الوليد، ليظهر أمامنا بابٌ بفتحات ثلاث لهندسةٍ رومانية لا تزال قائمة بالرغم من أن الإنسان والزمان تواطئا معاً لتغيير معالم المدينة، ولكن:

«في دِمَشْقَ،
يُواصل فِعْلُ المُضَارِع
أَشغالَهُ الأُمويَّةَ:
نمشي إلى غَدِنا واثِقِينَ
من الشمس في أَمسنا.
نحن والأَبديَّةُ،
سُكَّانُ هذا البَلَدْ!»

فلنمضِ إذاً واثقين نحو الجنوب الشرقي حيث «باب كيسان» الذي لم يعد باباً لمدينةٍ فحسب بل أضحى بوابةَ خلاص أنقذت بولس من بطش الفريسيين والرومان، لتُبنى كنيسةٌ باسمه في هذا الموضع ولينطلق هو من دمشق مبشراً بالمسيحية، محاوراً الأمم.

«في دِمَشْقَ،
تَدُورُ الحوارات
بين الكَمَنْجَةِ والعُود
حَوْلَ سؤال الوجودِ
وحول النهاياتِ:
مَنْ قَتَلَتْ عاشقاً مارقاً
فَلَهَا سِدْرَةُ المنتهى!»

جنوباً نتابع نحو «الباب الصغير»، بُني صغيراً لأن الخطر يحدق من الجنوب (دوماً) لا حواجز من أنهار أو أشجار تردع الطامعين، كوكبه المشتري، فيه نزل يزيد بن أبي سفيان من على خيله لدى الفتح الإسلامي.

«في دِمَشْقَ،
تُطَرَّزُ أَسماءُ خَيْلِ العَرَبْ،
مِنَ الجاهليَّةِ
حتى القيامة،
أَو بَعْدها،
بخُيُوطِ الذَهَبْ...»

لكن طريقنا ما زال يحملُ الكثير في جعبته، غرباً «باب الجابية» حيث يواجه «باب شرقي» عبر سوقٍ طويل هو «شارع المستقيم»، سُمي الباب كذلك لأنه يؤدي إلى قرية الجابية في الجولان، لكن البعض يقول إنه سُمي تيمناً بسيدة صالحة تُدعى «الست جابية». مهما اختلفَ نسبُ الاسم، يبقى أن كوكبه المريخ...

«في دِمَشْقَ،
تطيرُ الحماماتُ
خَلْفَ سِياجِ الحريرِ
اُثْنَتَيْنِ...
اُثْنَتَيْنِ...»

نعود شمالاً، حيث «باب الفراديس» حيث كانت تَكثُر البساتينُ أمامه، يُظَلِلُه كوكب عطارد، وهو معروفٌ أيضاً باسم «باب العمارة» بسبب مجاورتهِ حيّاً يحمل الاسم ذاته، لكن بالعودة إلى الفراديس، هل رأيتَ فردوسَ الشام يوماً؟ ألا تشتاقُها دوماً؟ ألا تشعرُ بغُربتك عن نفسكَ تحت فيء أشجارها؟

«في دِمَشْقَ،
ينامُ الغريبُ
على ظلّه واقفاً
مثل مِئْذَنَةٍ في سرير الأَبد
لا يَحنُّ إلى بَلدٍ
أَو أَحَدْ...»

وأخيراً نصلُ «باب الفرج»، شمالاً أيضاً. رأى فيه أهل الشام فَرَجاً لأنه اختصر مسافةَ الدخول والخروج من المدينة، لا أثرَ لكوكب يتشفع بهذا الباب، لكنه بالتأكيد كوكبٌ يشتاقُه الدمشقيون والسوريون على حدٍ سواء، كوكب سوريا الجديدة الخارجة من مخاضِ ولادةٍ هي دربُ موتٍ نعبره لنصل ضفة الفرج فنختصر المسافة بين ما كان وما سوف يكون. «طوبى للذين آمنوا ولم يروا» هل سمعتَ يا توما؟ بابُ الفَرَجِ القريبُ من بابِ شَكِكَ هو نهاية دربنا، بعدَ كُلِ ضيقٍ فَرَج، بعدَ كُلِ أَلَمٍ فَرَج، بعد كُلِ موتٍ قيامةٌ وفَرَج، وكُل من شَكَّك بسوريا سيعاين آثار المسامير في يديها، سيضع إصبعه في جراحها ثم سيَدخُلُ أبواب عاصمتها بروحه، ويغني في سرِّه:
«لا أَعودُ من الشام
حياً
ولا ميتاً
بل سحاباً
يخفِّفُ عبءَ الفراشة
عن روحِيَ الشاردةْ»