«عن بلادنا التي تسير كالريح نحو الوراء...» | تبدو حياتي مثل مجموعة تمارين متواصلة في محاولة النجاة من الخوف. أعترف بهذا الأمر دائماً ولا أُنكره. أنا جبان وهذا ما يجعلني أقف مندهشاً حال قراءتي لحكايات يرويها أشخاص دخلوا تجربة «حفلات الموت» وعادوا منها سالمين، لأسأل نفسي: كيف نجحوا في ذلك وأنا ما زلت أسيراً لخوف أبدي أهلك حياتي. رواية «القوقعة، يوميات متلصص» (دار الآداب) أو السيرة الذاتية لكاتب سوري اسمه مصطفى خليفة ستكون واحدة من حكايات الرعب التي سأقف مجدداً أمامها عارياً أمام خوفي حين يُجبر المُعتقل على ابتلاع فأر ميّت عثروا عليه في الزنزانة ويصبح الموت أُمنية.


كُنت في بيروت حين اقتنيت «القوقعة». وفي توقيت كانت الثورة السوريّة تُكمل السنة الأولى من عمرها كما سيكون لقائي الأول بصديقي الروائي خالد خليفة الذي سأسأله عن علاقته بصاحب «القوقعة» ليجيب بأن الأمر مجرد تطابق في اسم العائلة، البلاد نفسها طبعاً. وهو خالد نفسه صاحب «لا سكاكين في هذه المدينة» الذي يرفض الحياة الدائمة خارج الشام ويقول دائماً «أموت لو تركت دمشق».
قد يكون من الضروري اعترافي هنا باستخدامي فكرة الثورة السوريّة نفسها كأداة علاج ممكنة أيضاً لخوفي إياه وأنا أرى للناس وقد خرجوا بحثاً عن أصواتهم الضائعة. أتذكر هنا إشكالية حَدثت في مطار بيروت للطائرة اليمنية التي ستعيدني إلى صنعاء وأجبرتها على تغيير سيرها إلى دمشق. أرعبتني المسألة على الرغم من عشقي الهائل لهذه المدينة لكنّ تفاصيل «القوقعة» كانت لا تزال قابضة على روحي وقبلها روايات أخرى. هي حالة أجبرتني على التزوّد بكميّة هائلة من الكحول لتجاوز ذلك الترانزيت العابر في «غرفة بملايين الجدران». حين وصلنا كُنت مُمتلكاً لشجاعة مُكتسبة جعلتني قادراً على سؤال ضابط الأمن الواقف على باب الطائرة: كيف الوضع في الشام! فقال: «خ...»، ليكون ردّي: يعني الثورة مستمرة.
كُنت وقتها مُبتهجاً بأولئك النّاس الذي خرجوا صارخين «سوريا بَدّا حريّة» ورافضين البقاء مثل كائنات لا مرئية في الحياة ولا شيء أكثر من هذا. أتغذى من تلك الشجاعة التي أخرجتهم وأنا الذي لم أخرج في تظاهرة حقيقية واحدة في حياتي أو كُنت أبقى دائماً في الصف الأخير خلف الناس وحين كان يتم اعتقال رفاقي كُنت أنا الناجي الأكيد دائماً، «كسلحفاة أحست بالخطر وانسحبت داخل قوقعتها، أتلصص، أراقب، أسجّل، وأنتظر فرجاً» مثل صاحب «القوقعة» تماماً. وقد كُنت أبتهج قبل زمن الثورة بأهل الشام وبحياتهم. قد يكون من الضروري هنا استعادة فكرة سوريا كنموذج كان يحضر بقوة في نقاشاتنا اليمنيّة حول صورة الدولة المَدنية ونحن الذين نعيش على صورة مزوّرة وكاذبة منها تقول بأن أهل اليمن يعيشون ديمقراطية تمنحهم حق الذهاب إلى الصندوق وانتخاب رئيس لجمهوريتهم التي لا يقدر فيها شاب على تأبط ذراع صديقته والسير معها في الشارع. وكانت صديقة يمنية أكملت دراستها العليا في دمشق قد أخبرتني عن قدرة أيّ فتاة على السير بمفردها في أيّ وقت دون اعتراض يقابلها من أحد. كل هذا يشير باتجاه جمهورية أهل اليمن الفارغة وديمقراطيتهم المزوّرة ويعمل على نفي كونها حياة من الأساس في جوانبها التالية. كيف يتخيّل الكائن قدرته على انتخاب رئيس للبلاد وهو لا يقدر على حَمل وردة والسير بها في الشارع. وهنا يأتي السؤال المؤلم هل كان يجب أن تقع كل تلك الخسائر؟ هل كان يجب أن تفتح الأبواب للدواعش من أنحاء الدنيا ومن خارج التاريخ ليقلبوا كُلّية شكل الحياة فيها وهي الحياة التي كُنا نأمل ــ ولو حياة القليل منها ــ في بلادنا الحزينة!