مونتريال | الأخبار: خمس شركات لبنانية فقط تبرز على مؤشر أكبر 500 شركة عربية الذي تُعدّه مجلة «فوربز». ليس غريباً ان تكون جميعها مصارف، فهي تقريباً الوحيدة المدرجة في السوق المالية. ولكن هذا لا يعني أنّ نشاط المبادرة ومن ثمّ الازدهار في هذا البلد ضعيف. ولطالما كان يُمكن تقفي أثر حيوية معينة على مستوى إطلاق الشركات الجديدة وانطلاقها إلى الإقليم أو ربما إلى العالمية.

بحسب مؤشر المجلة الأميركية، فإن القيمة السوقية الإجمالية للمصارف الأربعة على لائحتها – والتي تتوزع بين المرتبتين 31 (عودة) و98 (بنك بيروت)، وبينهما «بلوم» و»بيبلوس» في المرتبتين 53 و76 على التوالي – تبلغ 6.3 مليارات دولار تقريباً، فيما أصولها الإجمالية تناهز 85 مليار دولار، أي ضعف الناتج المحلي الإجمالي.
رغم هذه الضخامة واعتماد لبنان بقطاعيه العام والخاص على البيئة التي يشكلها القطاع المصرفي – بين المصارف التجارية والبنك المركزي – إلا أن البنوك ليست كلّ شيء. القطاع الخاص اللبناني أثبت في مجالات كثيرة أنه قادر على الازدهار وخلق فرص العمل رغم العقبات التي قد يفرضها النظام السياسي القبلي، وحتّى من دون الخيرات المشروطة التي قد يؤمنها النظام نفسه.
خلال السنوات الأخيرة، وتحديداً قبل بدء الاضطرابات في العالم العربي وخصوصاً في سوريا عام 2011 وامتدادها بشكل أو آخر إلى لبنان، تلوّن مشهد المبادرة في لبنان بأكثر من لون. منها ما استفاد مباشرة من مراكز احتضان وتطوير المبادرات في القطاع التكنولوجي مثل Berytech – الذي يتمتع بشهادة أوروبية بصفته «مركزاً للابتكار» - ومنها من المؤسسات الداعمة للأعمال مثل Endeavour. حققت هذه الشركات نجاحات بارزة في لبنان والمنطقة خلال مراحل سريعة. يظهر العديد من تلك الأسماء في لائحة Arabia 500 التي تُعدّ مبادرة رسمية أميركية على المستويات الوطنية والإقليمية لرصد الشركات الاكثر لمعاناً والأسرع نمواً.
تم إعداد آخر لائحة عام 2012، وفي شقها اللبناني تتصدر اللائحة شركة Intramuro التي تأسست عام 2001 والمختصةً بالحلول المدمجة على صعيد الهندسة الداخلية والتصميم. سجّلت هذه الشركة العاملة بين لبنان والخليج وأوروبا نمواً في أعمالها فاقت نسبته 400% بين عامي 2009 و2011.
في عام 2011، تربع على القمّة مطعم Semsom الذي افتتحته المبادرة كريستين صفير عام 2008 – بعد رحلة بحث طويلة في الريف اللبناني لاختيار أكثر من 1500 وصفة لبنانية أصيلة - وسرعان ما بدأ عملية الانتشار الإقليمي مع افتتاح فرعه الأول في جدة؛ بين عامي 2008 و2010 نمت أعمال المطعم بنسبة 218%.

3.3 ملايين معجب
بـSayfco على فايسبوك، أي أكثر من سكان لبنان البالغين



تُثبت الأمثلة التي يُمكن رصدها في مختلف القطاعات أن حركة المبادرة في لبنان لا تؤدي في نهاية المطاف إلى كسر الموجود التقليدي بل ربما تكمله بروح جديدة وليس بالضرورة في القطاعات الأساسية التي يتميز بها الاقتصاد اللبناني. في تلك القطاعات ترسخت أسماء أساسية طبعت النشاط في البلاد منذ ما قبل الحرب الأهلية.
فلنبدأ مثلاً بقطاع التجارة والتوزيع عبر الوكالات. ستبقى شركات مثل فتال التي تأسست في نهاية القرن التاسع عشر في دمشق وانتقلت إلى لبنان عند تخوم عقدها الثالث، أو «هولدال» (مجموعة أبو عضل) التي يتنوع نشاطها التجاري من المنتجات الصيدلانية وصولاً إلى المنتجات الجلدية، ستبقى هذه الشركات ممراً أساسياً لشريان التجارة اللبناني.
كذلك الأمر في قطاعي العقارات والبناء والتطوير. هنا، ورغم أن فورة 2007 – 2010 أفرزت نشاطات جديدة على شكل شركات من السمسرة وصولاً إلى الاستثمار والتطوير، إلا انّ كيانات أساسية هي التي ترسم الخط العام في القطاع: Sayfco التي تتمتع بمحفظة تطوير عقاري تفوق ملياري دولار لا يضاهيها أحد على مواقع التواصل الاجتماعي: رغم عمرها الذي يفوق نصف قرن إلا أنّها تلقى شعبية غريبة وتحديداً في أوساط الشباب، لمجرّد الإعجاب. على موقع فايسبوك لديها أكثر من 3.3 ملايين معجب، أي أكثر من سكان لبنان البالغين!
في البناء واستشارات الهندسة لا يُمكن أن يتخطى حلم اي خريج جديد مرحلة التدرج لدى دار الهندسة (Dar Group)؛ شبكة عملاقة تضم أكثر من 130 ألف عضو ينفذون أعمال التخطيط والهندسة في أكثر من 100 بلد، وعبر 193 مكتباً أساسياً في 46 بلداً.
وطبعاً لا يُمكن الحديث عن الهندسة والبناء من دون ذكر الشركة الأكبر في الشرق الأوسط في هذا المجال، مجموعة المتعاقدين المتحدين (CCC) التي أسسها ثلاثة مبادرين، حسيب صباغ، سعيد خوري وكامل عبد الرحمن، في منتصف القرن الماضي واليوم تشغل أكثر من 110 آلاف موظف من أكثر من 80 جنسية. وتدير محفظة من الإيرادات تفوق خمسة مليارات دولار سنوياً.
ومن القطاعات الأساسية في الاقتصاد اللبناني، القطاع السياحي الذي يتميز بفنادقه الفخمة وإن غير المرنة أمام تغير أحوال السوق وشرائح السياح. «فينيسيا» اسم فاق عمره خمسين عاماً، ومنذ تأسيسه عام 1961 أضحى «مرجعاً في الضيافة»، وبموازاته يبرز اسم فندق Le Vendome الذي يُطلّ على المتوسط من مجالات أضحت تضيق على معظم من كانوا يتمتعون بمشهد الأزرق الكبير. استجدّ اسمان عالميان اساسيان في هذا المجال خلال العقدين الماضيين؛ الأول هو Four Seasons الذي صمم غرفه بيار إيف روشون، إضافة إلى Le Gray الذي يُقوّم على أنه الأكثر اناقة حداثوية.
وطبعاً إلى جانب الفنادق، هناك المنتجعات ذات الأسماء الذهبية تماماً كما يُفترض أن تكون رمال المتوسط عند الشاطئ اللبناني. Edde Sands الذي يمتد على مساحة 110 آلاف متر مربع يتسع لـ5 آلاف ضيف يُعد الاسم الابرز على هذا الصعيد وتحول إلى علامة إقليمية ساهمت في جعل جبيل المدينة السياحية الأولى عربياً عام 2013 رغم كل التعقيدات التي يشهدها لبنان. ومن البحر إلى الجبل الذي يُشكّل فيه اسم Intercontinental Mzar عنواناً لا يُمكن أن يُخطئ بشأنه أحد، الفندق الفخم الذي يضم 140 غرفة و29 جناحاً وأربعة مطاعم.
تمثّل كل تلك الأسماء، القديمة والحديثة، قمّة الإنتاج والابتكار في المجالات التي تبرع فيها. السؤال هو: بين تجارة وسياحة الزمن الجميل ومرحلة الغموض الإقليمي الحالية، هل ستبقى حديقة المبادرة اللبنانية خصبة لزرع الأفكار الجديدة؟ صحيح أنّ الأفكار لا يُمكن أن تموت ولكن الحروب والاختلالات المؤسساتية تدفعها للبحث عن حدائق جديدة في الخارج.
أخيراً، احتفل عالم الأعمال والمبادرة في العالم بصفقة استحواذ «غوغل» على شركة المهندس الأميركي، اللبناني الأصل، طوني فاضل، Nest، (المختصة بالحلول الذكية لإدارة أنظمة الحرارة في المنازل) بأكثر من 3 مليارات دولار. نجاح يؤكّد هذا النمط غير أنه يدفع في الوقت نفسه إلى القلق على لبنان وعلى بيئته الاستثمارية المحلية عموماً التي تُعد أساسية لخلق الوظائف ولوقف نزف الاختصاصيين والخريجين.