بعد الخيبة التي مُني بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في حواره المتلفز قبل ثلاثة أيام، حيث يمكن القول إنّه للمرة الأولى يظهر بمظهر الضعف لناحية أنّه لم يعد لديه جديد ليقدمه، سوى التكرار والدفاع عن حصيلة عامه الأول في رئاسة فرنسا، خرج أمس في البرلمان الأوروبي، ليتحدث عن أنّ «شكلاً من الحرب الأهلية الأوروبية يعود إلى الظهور».

«الحرب الأهلية الأوروبية» هو توصيف أكاديمي مرجعي، للمؤرخ الألماني الراحل، ارنست نولتيه، واستعاده قبل أعوام قليلة المؤرخ الإيطالي، إينزو ترافيرزو، في كتابه «1914، 1945: الحرب الأهلية الأوروبية». المشترك غالباً بين المؤرخين هو الفترة التي يتناولانها، أي الفترة الفاصلة بين بداية الحرب بالعالمية الأولى، وصولاً إلى اندلاع الثانية نهاية الثلاثينيات. إلا أنّ قراءة ترافيرزو تبدو أقرب إلى حديث ماكرون هنا، لناحية أنّ فكرة المؤرخ الإيطالي تقوم على أنّ أسباب تلك الحرب تعود إلى سقوط النظام الإقليمي الأوروبي الذي ساد بين 1815 و1914. بمعنى آخر، ثمة تلميح واضح في كلمة ماكرون أمس، إلى الخشية من سقوط النموذج الأوروبي القائم حالياً، بقوله: «تبدو لنا أنانياتنا القومية أحياناً أهم مما يوحدنا في وجه باقي العالم».
الرئيس الفرنسي الذي قد يُعدُّ الابن الشرعي لأحطّ صور «ديموقراطية النموذج الأوروبي»، وذلك لأنّ الشركات الكبرى والمصارف هي التي دعمت وصوله إلى الإليزيه، أكمل كلمته محذراً من «النزعات إلى التسلط» في أوروبا، داعياً مقابل ذلك إلى «الدفاع بحزم» عن «مفهوم جديد للسيادة الأوروبية».
لعل ما يغيب عن ماكرون أنّه هو نفسه «غير المنتمي إلى يمين ولا إلى يسار»، انعكاس للأزمة البنيوية التي يعاني منها «الاتحاد الأوروبي»، وأنّ «الأنانية القومية» هي نوع من الهرب من جسم مالي رهيب، أي مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وهي أيضاً نتيجة للوضع الاستراتيجي الذي لفّ أسياد أوروبا مشنقته حول القارة. هذا مع العلم أنّ زمن «الوسطية الماكرونية»، كما زمن اليمين المتطرف، يأخذان حيّزهما في ظل «زمن البؤس» الذي يجد فيه اليسار الأوروبي نفسه بعدما خسر «آفاق الثورات». وللعلم أيضاً، يأتي كل ذلك فيما لم يُطرح أعلاه سؤال رئيسي: «أي أوروبا يريدها ماكرون؟».