مساء اليوم، صيف لبنان على موعد مع الجاز في «مهرجانات بعلبك» عبر عازف الدرامز الأميركي لويس هايز. أفضل طريقة لدخول هذا الموضوع تكمُن في الرجوع إلى الأمسية التي أحياها جورج بنسون الأسبوع الماضي ضمن «مهرجانات بيت الدين».

أشرنا سابقاً إلى أنّ «بعلبك» بقيت أمينة لقناعاتها عبْر تقديم الجاز النقي في السنوات الأخيرة رغم عدم التعويل أحياناً على أسماء ذات شهرة كبيرة. في المقابل، أثنينا على برمجة «بيت الدين» التي ضربت بقوّة من خلال المغني وعازف الغيتار جورج بنسون. غير أن الأخير وضع الجاز في أسفل أولوياته خلال الحفلة التي أحياها، مستعيداً ريبرتواره الأكثر شعبية المتمثّل في البوب والسول والفانك. من جهة، أحبط هذا الأمر جمهور الجاز، ومن جهة أخرى زاد حماسته لأمسية لويس هايز الذي يختتم «بعلبك» الليلة.
هذا المهرجان الذي بلغ قبل الحرب مجداً لا نظير له محلياً وإقليمياً، وتحديداً في مجاليْ الجاز والموسيقى الكلاسيكية، لم يساوم إلا نادراً على النوعية في مواعيد الجاز، وها هو يثبت مجدداً مهنيته واطلاعه الشامل على عالم هذه الموسيقى.
طبعاً، لا تقاس شهرة بنسون بتلك التي يتمتع بها ضيف «بعلبك» وزملاؤه. بحكم دوره في عالم الجاز (عازف درامز)، ليس لويس هايز معروفاً إلا من «سمّيعة» الجاز الأكثر تطلّباً. أولئك الذين لا يكتفون بالاستماع، بل يتابعون تفاصيل كل فنان أو فرقة، وحتى كل تسجيل. لكن تاريخه في هذا المجال حافلٌ بصفحات مشرقة، تعود إلى أيام عزّ الجاز في الخمسينيات والستينيات، حين كانت كل تركيبة تضمّ أكثر من عملاق وأسطورة. عازفو الدرامز ـــــ في الجاز وغيره ـــــ قليلاً ما يخرجون إلى الضوء، مع العلم أن تيّار الـ«هارد ـــــ بوب» الذي ولِد من رحم الـ«بي ـــــ بوب» في النصف الثاني من الخمسينيات، أنصفهم إلى حدّ ما، عبر إعطائهم دوراً أكبر من الذي كانوا يلعبونه قبلاً. هايز من رموز هذه المدرسة اليوم، وقد استفاد من قدراته الخارقة في التعامل مع آلته، ليطلق فرقه الخاصة، وآخرها تحت اسم «إرث كاننبول».
إذاً، كما يدل عنوانها، ستكون الأمسية، في جزءٍ منها أقله، عبارة عن تحية من لويس هايز (1937) إلى صديقٍ عمل معه لسنوات وهو عازف الساكسوفون الشهير، كاننبول أدرلي (1928 ـــــ 1975). أدرلي لم يكن الوحيد الذي استعان بهايز لضبط الإيقاع. مرّ الأخير بمراحل عدّة في مسيرته الطويلة، أبرزها عضويته في فرقة عازف البيانو الكبير أوسكار بيترسون، وكذلك مشاركته في تسجيلات تاريخية لجون كولتراين، وماكوي تاينر، وهوراس سيلفر وغيرهم، بالإضافة طبعاً إلى تسجيلاته الخاصة، أي تلك التي أنجزها مع الفرق التي أسسها وقادها منذ مطلع السبعينيات لغاية اليوم.
كل هذه الخلفية، تجعل لويس هايز تاريخاً معتقاً، ذا خبرة ما بعدها خبرة في تقديم الجاز الأصيل إذا صح التعبير، كما في العزف على الدرامز. إنه البارع الذي تسبق حركة عصاتيْه السمع والبصر، مع المحافظة على الذائقة والذكاء في تركيب جمل الصولوهات الجهنمية، أو الفواصل التي تتخلل حواره مع الآلة النغمية الأساسية في الفرقة. كذلك يتمتع بحسّ التقاط المواهب التي تستمر في هذا النهج. إذ طالما عرف كيف يجمع حوله نخبة من الموسيقيين. هكذا، يستقبل في كنف فرقته الحالية ضيفاً أساسياً هو عازف الساكسوفون فنسنت هرينغ (1964) ذو السيرة الفنية الغنية التي لا تقل شأناً عن زميله، كي لا نعدّد مرّة جديدة لائحة الأساطير، وكذلك عازف الترومبت جيريمي بلت. كذلك تضم الفرقة هايز الخماسية عازف البيانو أنطوني وونسي وعازف الكونترباص ريتشي غودز.
لا شك في أن الجمهور اللبناني من محبي الجاز ما زال راضياً عن برمجة «بعلبك». لكنّ كثيرين يحلمون بأسماء الصفّ الأوّل، تلك التي يسمعون تسجيلاتها ويعجزون عن السفر لحضور حفلاتها الكثيرة في أوروبا وأميركا... وأحياناً في الخليج.

Louis Hayes & The Cannonball Legacy Band: 8:00 مساء اليوم ـــ «مرجانات بعلبك» ـ 01/999666