سُمِّي «درج الفاندوم» تيمناً بالسينما التي كانت تحتل مكاناً عند أسفل الدرج. رغم أنها كانت أولى الصالات السينمائية في منطقة الأشرفية، مع سينما «الحكمة»، إلا أنّ «فانوسها السحري» انطفأ باكراً، ليقع المبنى في قبضة المستثمرين الذين هدمّوه، وأحدثوا حفرة تتهيأ لاستقبال برج جديد أو ناطحة سحاب...

«على الدرج، لم يتغير شيء» هكذا تقول أم متري الذي تسكن في أحد منازل الدرج منذ 50 سنة. تعتبر أم متري الدرج قرية داخل المدينة حيث يلتف الجيران في الأفراح والأتراح. «مجموعة كهربا» قرّرت أن تأخذنا في عالم «درج الفاندوم» وحكاياه محوّلة إياه إلى مسرح مفتوح لعرض النسخة الجديدة من مهرجانها «نحنا والقمر والجيران» الذي يُختتم اليوم بعد يومين من عروض الدمى، والعروض المسرحية والموسيقية والسينمائية المتواصلة.

ابتداءً من السابعة مساء، ينطلق كل عشرين شخصاً في رحلة سحرية تزيّنها قصص سكان الدرج. على سطح إحدى بنايات الدرج، تجد مجموعة صغيرة من ثلاثة فنانين. هناك ينتظرونك مع دمية، وعرض صغير هو صدىً لتسجيلات أجرتها كل من نادين توما وسيفين عريس (دار قنبز) مع أحد قاطني الدرج. يخبرنا آرا الخياط عن وصول أبيه إلى لبنان هرباً من المجزرة التركية بحق الأرمن، وعن مولده في حمص، ثم عمله في لبنان خياطاً. يفاخر بأنّه حتى الرئيس ميشال سليمان كان أحد زبائنه يوماً... بعد سماع قصته، تغادرنا الشاعرية التي ترسمها الدمية التي تجسّد آرا، مع سينوغرافيا منزل، وزهور حمراء أجمل من الحلم. تصعد الدرج صوب أحد المباني الصغيرة، فتلمح نافذة مطلة على غرفة جلوس، وأخرى على مطبخ صغير... تصل إلى السطح، لينجلي منظر المرفأ فيكتمل النصاب، وتنطلق نوال بقصتها المسجلة. هي لم تبدأ بخبز المناقيش على الصاج إلا حين انقطع الخبز خلال الحرب الأهلية، فراحت تخبز لبيتها وجيرانها على الدرج. ومنذ ذلك الوقت وهي لا تزال في دكانها الصغير.
في الساحة الصغيرة التي تتوسط الدرج والمنازل المتلاصقة، يرحب بك أهل الحي الجالسون أمام باب الدار. هناك، يجذبك صوت آلة السنطور الصادح من أنامل بلال. تتسلم منه الحكواتية ساره، لتسرد علينا حكاية «حص التوم». لم ينته المشوار هنا، فدمية كميل حنا تنتظرك على سطح بناية أخرى، لتسمعك أغنية من تأليفه وتلحينه: «عبيت السلة ليمون/ ضيفتو قلي ممنون»، ثم يعيدنا إلى ذكريات سينمات البرج: «الروكسي»، و«الأمبير»، و«هوليوود»... ويكفي أن تطل على الجهة المقابلة من السطح، لتسمع راوية أخرى تسرد قصة النيون العملاق الذي غيّر حياة عائلة تسكن في المبنى قبالته. سنسمع كيف تتعايش تلك العائلة مع إيقاع ضوئه الساطع الذي يضاء ويطفأ كل 20 ثانية. لا تنتهي المحطات، كلما تكاد تعتقد أن ما من جديد، يلفتك صوت آتٍ من جهة مختلفة، يدعوك إلى رحلة أخرى في عالم الدرج. ومتى قررت التوقف قليلاً في الساحة الرئيسية للدرج لتناول منقوشة من عند نوال، أو قهوة عند سميرة، يأخذك على غفلة صوت عود... ذلك ليس إلا بالقليل من العروض المتواصلة على الدرج وداخل منازله وعلى سطوحها. الجدول مليء بالعروض المسرحية والموسيقية والشعرية والسينمائية وأفلام التحريك. أما الليلة، فيقدم عرض رقص معاصر «كل آخر نفس» (فرقة منكوبي - الدنمارك) عند التاسعة مساءً، ثم تُختم السهرة بحفلة موسيقية راقصة في وسط الدرج حيث الفنانون والجمهور مدعوون إلى الاحتفال عزفاً، وغناءً، ورقصاً بانتهاء سهرات «نحنا والقمر والجيران». في العام الماضي، أطلقت «مجموعة كهربا» التي تسكن أحد منازل الدرج، ذلك الحدث إيماناً منها بالدور الذي يجب على الفنان لعبه ضمن المحيط الذي يسكنه، وليس فقط على خشبة المسرح. يومها، خشي الجيران مما قد يفعله هؤلاء الفنانون بدرجهم الهادئ. أما هذه السنة، فكانوا أول مَن تساءلوا عن موعد المهرجان. هكذا تعاونوا مع «مجموعة كهربا» لإتمام المشروع والمشاركة في إحياء المهرجان. يتخطى مهرجان «نحنا والقمر والجيران» مسألة مهرجان فني متعدد ومتنوّع العروض باحتراف وجمالية نادرة، لكنّه أيضاً يلعب دوراً مهماً في تفعيل المساحات العامة. حدائق بيروت العامة باتت شبه منقرضة. أما المساحات الخضراء، فأُغلقت بحجة حمايتها مثل حرج الصنوبر. لعلّ الأدراج هي المساحات العامة المتبقية التي لا تخضع لقوانين البلدية ولا الدولة. فلنحوّل أدراج بيروت إلى مساحة للتلاقي والفرح، والفنون، علنا ننقذ هذه المدينة من انقساماتها الكثيرة. وكي لا يتحول الدرج بأسره إلى حفرة تستعد لاستقبال ناطحات سحاب جديدة، أو يصير حفرة نسيان يطمر فيها أهل الدرج وذكرياتهم، تلتزم «مجموعة كهربا» بإحياء «نحنا والقمر والجيران» للسنة الثانية، إيماناً منها بفعل فني يجمع الماضي والحاضر، ويضمن مستقبلاً أجمل.




«نحنا والقمر والجيران»: 7:00 مساء اليوم ــ «درج الفاندوم» (مار مخايل ـ بيروت) ــ للاستعلام: 01/442770




بالأرمني والعربي


في إحدى زوايا الدرج، ستشاهد فيديو على ثلاث شاشات لريما مارون يعرض على واجهة أحد المباني. يستوقفك قليلاً العمل، إلى أن تسمع فجأة صوت كورال ينطلق بالغناء... إنهم من أبناء الحي وأهله، وقد اجتمعوا منذ فترة للتمرين ضمن مهرجان «نحنا والقمر والجيران»، وها هم يلوّنون ليل الدرج بأغنيات بالارمنية والعربية، بقيادة ديدا غيغان.