تلك الفسحات الضوئية المنقشعة من الصور، ليست إلا استثناءات في معرض «بالقرب من هنا». إذا قلّبنا الضوء على أوجهه، بمعناه الإيجابي، الذي ما زال ظاهراً بضآلة، فستبدو لقطاته كأنها وداعية. هكذا هي الصور في المعرض الجماعي الذي ينظمه «معهد غوته» في «مسرح المدينة» (الحمرا ــ بيروت)، ويستمرّ حتى 13 تشرين الثاني (نوفمبر). عن موضوع تحوّل علاقة الإنسان وممارساته مع الطبيعة، اختارت منسقة المعرض كونستانتسِه ڤيكه صوراً لـ 18 فوتوغرافياً من شمال أفريقيا والشرق الأوسط، هي نتيجة ورش عمل أقامها المعهد في دول عدّة خلال 2013 و2014.


لا يمكن للهواجس الجمالية والبيئية والطبقية والمدينية، وتلك المتعلّقة بالتراث والحروب أن تفلت من عدسات المصورين. استدعى هؤلاء التحوّلات في مدنهم وأمكنتهم (الشرق ودول العالم الثالث)، لتأتي النتيجة البصرية متقاربة، كأنها تعكس مدينة واحدة ممتدة على هذه الرقعة، يعبث فيها الوحش نفسه. مدن أهلكتها السرعة كما القفز العبثي على كل الصلات مع الماضي. هكذا، يمثل المعرض فرصة لإطالة النظر في تضاؤل الطبيعة، إن لم يكن لحساب الإسمنت في أحسن الأحوال، فلحساب الأوساخ أو لجدار يشقّ المدينة إلى نصفين. يكتسب جمع الصور في معرض واحد، أهميته من هذه النقطة تحديداً، فهي فرصة لضبط سمات التبدلات والظواهر المشتركة. وقد تصل إلى حقيقة أنّ العمارات التي مرّت من بيروت، ستمرّ بالأردن وتكمل إلى القاهرة فالجزائر.
في سلسلة «استهلاك»، تبدو القاهرة مخنوقة كبيروت. تنقّب نادية منير عن المساحات الفارغة الباقية في القاهرة، فيما ستضطرّ إلى تصويب الكاميرا إلى الأعلى لتلتقط فراغات مقابلة في السماء. لبيروت مكانها في المعرض مع سلسلة الزميل مروان طحطح «بيوت بمنازل كثيرة». برغم التفاوت الطبقي التي تكرّسه كل الجوانب الحياتية في بيروت، إلا أن العمران الهمجي، يمثل سمة مشتركة بين المناطق الفقيرة والغنية في المدينة. يرصد طحطح تحوّل البناء بعد الحرب الأهلية، وهو تحوّل همجي إن كانت نتيجته على شكل أبنية أنيقة، أم على شكل أحزمة بؤس بناها المهجرون الآتون إلى المدينة. وإذا غابت الشركات العملاقة عن القدس، فسيحلّ مكانها الاحتلال الإسرائيلي. في مجموعة قيس عسالي، يشق الجدار الفاصل المدينة إلى نصفين، ليحجب الرؤية بين أبناء القدس أنفسهم، والبيوت، والأحلام. يقدّم الأردني علاء الدين جبر، طرحاً مغايراً وذكياً للسدود المائية. كمواطن أردني، يظهر المصوّر السدود لأهميتها في مواجهة الشح المائي، بلمسة حميمية كالبحر أو النهر. في الوقت الذي نشاهد فيه “بالقرب من هنا” في بيروت حالياً، ينظّم “معهد غوتة” المعرض في الدار البيضاء، والجزائر، وبيروت والقاهرة ورام الله وعمان ودبي وتونس والخرطوم، والمدن الأخرى التي التقتطها عدسات المصورين.

«بالقرب من هنا»: حتى 13 تشرين الثاني (نوفمبر) ـــ “مسرح المدينة” (الحمرا ـــ بيروت). للاستعلام:
www.goethe.de/libanon