لم يغب اسم نورمان فنكلستاين (1953) عن الإعلام منذ صدور كتابه الشهير «صناعة الهولوكوست» (2000). كان الكتاب، ولا يزال، أحد أهم المراجع الأكاديمية في قضية المحرقة النازية واستغلالها إعلامياً من المنابر الصهيونية في الإعلام والنشر. وليس مردّ ذلك إلى الجرأة الكبيرة في الطرح فحسب، بخاصة في التمييز الدقيق بين «المحرقة» كحدث تاريخي فعلي، و«الهولوكوست» كأيديولوجيا وصناعة، بل كذلك لأن فنكلستاين أحد أكثر الكتّاب اهتماماً بتوثيق المعلومات، وبالإحالات المرجعيّة.


لا ينكر فنكلستاين جذوره اليهودية، بل إنها نقطة قوة تعطي صدقية لأعماله التي قد تضعف أطروحاتها لو كانت صادرة عن كاتب غير يهودي. كل ما في الأمر أن مهاجميه من الصهاينة انتقلوا من التوصيف المعتاد «معادٍ للساميّة»، إلى التوصيف الآخر «الكاره لذاته». ولا يبتعد كتابه «التمادي في المعرفة: لماذا تشارف العلاقة الحميمة بين اليهود الأميركيين وإسرائيل على نهايتها؟» (شركة المطبوعات: ترجمة سعيد محمد الحسنية)، عن هذا التوجه، بل قد يكون الكتاب الأكثر دخولاً إلى الجماعات اليهودية وعلاقتها بالقضية الفلسطينية منذ «صناعة الهولوكوست».
تقوم أطروحة الكتاب الأساسية على المقارنة بين اليهود الأميركيين واليهود الإسرائيليين ومدى تقارب أو تباين توجّهاتهم بشأن إسرائيل بشكل أساسي، وبشأن فلسطين بالنتيجة. يستند الكتاب إلى عدد كبير من الإحالات والاستبيانات والإحصائيات إلى حد المبالغة والتكرار أحياناً، ولعل جِدّة الموضوع كانت تقتضي مثل هذا الإسهاب، وإنْ أوصلت الكتاب إلى أكثر من 500 صفحة من القطع الكبير. انطلاقاً من هذه الإحصائيات خصوصاً يبدأ فنكلستاين بتشريح جذور هذه العلاقة وامتداداتها إلى اليوم بدقة وعمق حالت الترجمة العربية (التي عانت من مشكلات كثيرة في التشبيهات والتعابير الاصطلاحية) دون وصول هذه التمييزات بوضوح إلى القارئ العربي.
يمهد فنكلستاين لأطروحته بالقول إن خشية اليهود الأميركيين من تهمة «الولاء المزدوج» هي التي دفعتهم إلى الابتعاد قليلاً عن إسرائيل عند توتر العلاقات بين تل أبيب وواشنطن، وإلى الاقتراب مجدداً مع عودة العلاقات. ولعل الأمر لم يتغير إلا مع نشوب حرب 1967 ليتحول اليهود إلى الولاء المطلق لإسرائيل، لا بسبب الاعتبارات الدينية، بل «لأن اليهود الإسرائيليين حاربوا وماتوا من أجل حماية المصالح القومية الأميركية». ولكن بسبب الليبرالية التي يتسم بها اليهود الأميركيون عموماً (مثل معظم الأميركيين)، بدأ هذا التقارب بالانفكاك تدريجاً بسبب الأبحاث الأكاديمية الجديدة في التاريخ والسياسة التي أعادت كتابة تاريخ الصهيونية، فضلاً عن تزايد الجرأة النسبية في تقارير منظمات حقوق الإنسان تجاه جرائم إسرائيل. والمهم هنا، بحسب الكاتب، التأكيد أن «إسرائيل اليوم لم تعد مكاناً أسوأ، أو أنها تتصرف بشكل أسوأ مما كانت تفعله من قبل، ولكن الواقع هو أن إسرائيل بدأت مؤخراً بإظهار صورتها الحقيقية». ويؤكد أن اليهود الأميركيين لم يلتفوا حول إسرائيل «إلا بعد أن توقف ذلك الدعم عن تهديد مصالحهم، وبعد أن رأوا المكاسب الموعودة من ورائه». وبينما كان الجيل السابق من المفكرين اليهود الليبراليين، مثل مايكل وولترز، وألان ديرشوفيتز، ومارتن بيريتز يتبنى الصهيونية، ابتعد الجيل الشاب (من المدونين خصوصاً)، مثل غلين غرينوالد، ماثيو إغلاسياس، وفيليب فايس عن ذلك التيار.


لم يغب اسمه
عن الإعلام منذ
كتابه «صناعة الهولوكوست» (2000)

وبحسب استطلاع للرأي أجرته اللجنة اليهودية الأميركية، فإن ثلث اليهود الأميركيين الذي هم تحت سن الأربعين يشعرون بـ«ابتعاد معقول» أو «ابتعاد شديد» عن إسرائيل؛ وإن 20 بالمئة فقط منهم يشعرون «بارتباط شديد» مع إسرائيل، بحسب مشروع الهوية اليهودية، بينما ارتفعت نسبة من يشعرون بهذا الارتباط الشديد إلى 25 بالمئة عام 2010، بحسب استبيان «جامعة برانديز».
ومن جانب آخر، يشير فنكلستاين إلى أن السياسية الخارجية الأميركية تميل إلى مصلحة إسرائيل بالرغم من خضوع النخب العربية الحاكمة للأميركيين، وذلك لأن «توجه إسرائيل المناصر للأميركيين لا يمثل إرادة زعمائها فقط، بل إرادة شعبها كذلك». ولهذا يفضل القادة العرب أن يتفاقم النزاع مع إسرائيل بهدف توجيه السخط الشعبي بعيداً عنهم. إذ بعد ترسخ الديموقراطية التي قد يجلبها الربيع العربي، بحسب الكاتب، «قد تتمكن الأنظمة العربية الجديدة من تحدي الدعم الأميركي للقمع الإسرائيلي بكل قوة، بسبب حالة الاعتزاز الشعبي فيها». ويدرج فنكلستاين مقطعاً شديد الأهمية، بالاستناد إلى كتابي كينيث باين «المسير إلى صهيون» (1979)، وآرون ميلر «البحث عن الأمن» (1980)، يوضح هذا التنازل العربي تجاه الولايات المتحدة بهدف اكتساب الدعم، أو الحلول محل إسرائيل. إذ يشير إلى أن ابن سعود أسرّ إلى الموفدين الأميركيين عام 1946 بأنه «يصعّد لهجته لأن الجميع يفعلون ذلك...، لكن فلسطين لن تؤثر في النهاية على علاقتي مع الأميركيين».
كذلك أكد بعد التصويت على قرار التقسيم أنه «على الرغم من أن الدول العربية الأخرى قد تضغط علينا، إلا أنني لا أتوقع أن ينشأ وضع يجرّني إلى نزاع مع الدول الغربية الصديقة بسبب هذه المسألة». ولم يكتف الملك السعودي بعدم إلغاء الامتيازات النفطية الأميركية، بل سمح في أواخر عام 1949 لهذه الشركات النفطية بتوسيع عملياتها.
يخصص فنكلستاين النصف الثاني من كتابه للرد على انحياز منظمات حقوق الإنسان لمصلحة إسرائيل، بالأخص منظمة «هيومان رايتس ووتش» في حرب تموز 2006. ويخصص فصلاً آخر للرد على اثنين من «المؤرخين الإسرائيليين الجدد» وهما بيني موريس وشلومو بن عامي.
وبالرغم من أن نورمان فنكلستاين أحد أهم المدافعين عن القضية الفلسطينية في الوسط الأكاديمي، إلا أنه تعرض للانتقاد في السنوات الأخيرة من مناصريه بسبب مواقفه الانتقادية المشابهة لمواقف معلمه نوام تشومسكي بشأن «حركة المقاطعة، وفرض العقوبات، وسحب الاستثمارات» (BDS)، إذ أكد أن أهدافها غير واضحة، بخاصة في ما يتعلق بمصير إسرائيل. ثم عاد وغيّر موقفه ليشير إلى أنه يدعمها من حيث المبدأ، ولكنها لن تحقق حضوراً عالمياً ما لم تعترف بإسرائيل. وبصرف النظر عن رأيه الغريب الحالي بحملة المقاطعة، إلا أن المهم هو أن أهدافه متقاربة بشكل كبير مع أهداف الحملة، ولعل الزمن كفيل بتغيير موقفه، بعد أن أثبت الحضور المتعاظم للحملة خطأ وجهة نظره.