منذ أكثر من ثلاث سنوات، أنجز الممثل والسيناريست السوري رافي وهبي نص مسلسل يحكي عن الإرهاب الذي ضرب العراق، فاشترته شركة «سامة». لكن رحيل المنتج أديب خير يومها جعل النص ينتقل إلى «كلاكيت». ونتيجة انشغال الأخيرة بمسلسل «الإخوة»، تصدت المنتجة اللبنانية رولا تلج (Moon and Stars) له، فحمل اسم «حلاوة الروح» («أبو ظبي الأولى»، «art حكايات 2»...) بعدما أعاد وهبي كتابته انطلاقاً من بلده سوريا التي لحقها الخراب أكثر من بلاد الرافدين، معتمداً على قاعدة ياسر العظمة الشهيرة «مما قرأ وسمع وشاهد».


هكذا، أدار المخرج شوقي الماجري كاميرته في لبنان، فأنجز عملاً سورياً متماسكاً يمكن القول إنّه أهم أعمال هذا الموسم وأكثرها تماساً مع الواقع. تحكي القصة عودة ابنة مدير محطة عربية مهمة (دانا مارديني) إلى بلدها سوريا، برفقة أحد ناشطي الثورة (مكسيم خليل) لإنجاز فيلم عن تحف وتماثيل أثرية وقعت مصادفةً في أيدي مجموعة مسلحة انشقت عن الجيش السوري ويرأسها ضابط برتبة نقيب (عبد المنعم عمايري) بعد محاولة شبكة فساد خطيرة تهريبها وبيعها.


شكّل العمل نقلة
نوعية في حياة الممثلة الشابة دانا مارديني




هنا تقرر المجموعة نقل الآثار إلى مكان آمن وتصوير فيلم عنها بغية تسليمه لمنظمات حقوقية. لكن تنظيم «القاعدة» يصل إلى المكان، فيبيد تلك المجموعة ويخطف الفتاة ويطلب من والدها فدية بإجراء حوار طويل مع أميرهم الشيخ أبو ربيعة (غسان مسعود) وبثه كاملاً، من دون أن تهتم لشأن التماثيل كونها أصناماً يجب حرقها. الاشتباكات العنيفة تجعلهم يهملون الآثار، فتعود الكرة إلى ملعب شبكة الفساد التي تتولى إتمام المهمة في تهريب الآثار وبيعها بعد أن تأسر قائد المجموعة وهو الناجي الوحيد ثم تقتله، بينما يتابع الناشط رحلته في تتبع أثر صديقته الشابة، لتنفيذ وعده لها بإعادتها إلى بيروت. النتيجة كانت تجسيد جزء من الواقع السوري الجديد لنشاهد صورة مبهرة ومعارك حقيقية تتقاطع كلياً مع ميزانية العمل الفلكية التي وصلت إلى أربعة ملايين دولار، وأجور لم يسبق لفريق المسلسل أن تقاضاه سابقاً. مع ذلك، وقع المخرج في أخطاء لا تغتفر، وخصوصاً عندما شاهدنا طائرات أباتشي تعود للنظام السوري تقصف مواقع التكفيريين بناءً على تقنية الغرافيك، علماً بأنه لم يسبق لسوريا أن امتلكت هذه الطائرات. ووقع النص في مأزق التطويل، وخصوصاً في الحلقات الأخيرة، ما جعل المخرج يقلل من زمن الحلقة إلى حوالى 33 دقيقة تذهب منها نحو دقيقتين إعادة من الحلقة السابقة. راحت المصادفات المتتالية تنقذ حياة مكسيم خليل وتؤذي حالة التشويق التي رافقت تتالي الأحداث، رغم أننا نعرف عن تنظيم «القاعدة» قتله للبشر بطريقة أسهل من شرب الماء. كل تلك الفجوات أنقذتها براعة الممثلين السوريين على وجه الخصوص، إذ أقنعنا عبد المنعم عمايري بمهارة وحرفة أنّه ضابط منشقّ خاض معارك شرسة ووقف على جبهات حامية ثم أصيب أكثر من مرة. كذلك نجح مكسيم خليل في اختصار نموذج سوري حقيقي سحب صوت الرصاص بساط السلمية من تحت قدميه، وراحت حوارات وسهرات هذه المجموعة (خالد القيش، كفاح الخوص، جابر جوخدار، علاء الزعبي وسعد الغفري) برفقة ابنة مدير الفضائية وبالقرب من الآثار، في وضع مرآة ساطعة أمام الكارثة السورية بكامل أبعادها. كل ذلك على خلفية موسيقى تصويرية متقنة منحت الحدث نفحته الإنسانية الموغلة في الحزن. ويبدو لنا أن الموسيقي العراقي رعد خلف ألف موسيقاه، معتمداً على روح أقدم موسيقى في العالم وهي «حرائق نينوى» لتنسجم مع الخراب الحاصل وقضية الآثار المطروحة. شكل المسلسل نقلة نوعية في حياة الممثلة الشابة دانا مارديني على اعتبار أنه بطولتها المطلقة الأولى. وقد تمكنت من خلاله من القفز إلى مصاف الكبار. من جانب آخر، يظن المشاهد لوهلة أن غسان مسعود وجلال شموط وسهيل الجباعي أمضوا حقبة من عمرهم برفقة التنظيمات الجهادية حتى تمكنوا من لعب أدوارهم بهذا العمق والتنوع. وحده مدير المحطة النجم المصري خالد الصالح بدا ضائعاً وسط براعة زملائه وهذا متوقع، فالخط المصري مقحم عنوة بقصد تسويق المسلسل لمحطات مصرية، وهو ما عجزت عنه الشركة المنتجة. خلاصة القول إنّ نجاح «حلاوة الروح» أعاد شوقي الماجري إلى الواجهة كواحد من ألمع المخرجين العرب بعد إنجاز أعمال لم تحظ بالحد الأدنى من المشاهدة، مثل: «توق»، «نابوليون والمحروسة».