كان ذلك أشهراً قبل أن تغمض عينيك للمرّة الأخيرة في بيتك الدمشقي، على تباشير «ربيع» سرعان ما انقلب كابوساً كافكاويّاً. أذكر صوتك على الهاتف يسألني إن كنت مستعداً للمجيء إلى الشام للمشاركة في ندوة عن المسرح، تحت جناح رولا ركبي في الطابق السفلي لفندق لطيف، في تلك الحانة التي سيغمرني فيها دفء جمهورها، وحساسيته، وإصغاؤه، وفوران الأسئلة في وجدانه.


شعرت بمزيج من الاعتزاز والإثارة والخشية، ولم أتردد لحظة: حين يقترح عليك عمر أميرلاي المشاركة في نشاط في قلب دمشق، فتلك شهادة تعتزّ بها! ومعنى ذلك حكماً أنّ الندوة (التي سيجاورني فيها برهافته المعهودة المسرحي أسامة غنم)، ستكون أبعد ما يمكن عن البروباغندا، وتلك المكاذبات الرسميّة التي لم تكن يوماً لنا. فهمت، من دون أي نقاش بيننا، أنني على موعد مع أعلى سقف نقدي متاح للسائد. أي للسلطة. أليس عملنا نقد السلطة أيّاً كانت؟ فكيف بالأحرى في بلدك الغنيّ، خزّان الأصالة الثقافيّة والخصوبة الانسانيّة بالنسبة إلينا نحن اللبنانيين. بلد يحلم أهله بمستقبل أفضل، فيضيق القفص (الصدري) برئتهم، لحظة بدا الأمل متاحاً، وفكرة التغيير تسكن ذرات الهواء؟
ما زلت أذكر كل تفاصيل الندوة. الروائح ولون المقاعد، مناخات السبعينيات، الصمت الثقيل أيضاً والغصات المحبوسة. رولا الواقفة إلى جانبي ملاكاً حارساً، نظرات الشباب والصبايا، وجه ميشيل الذي كان صادقاً ومضيئاً، دمعته حين ذكر جوزف و«الأخبار»، ابتساماتك الارستقراطية المهذّبة والصديقة، ترحيب أسامة (محمد) الحار ونكاته، شَعر ديما الطويل، غضب سمر… يا الله. كم مرّ من الوقت على كل ذلك؟ الحديث عن المسرح أخذنا حتماً إلى الحديث عن التغيير. تحدثتُ عن تونس (بمسرحها وثورتها) وعيني على سوريا. أذكر أنني تحدثت عن التجربة التشيكوسلوفاكيّة حيث لعب مسرح الهواة دوراً حاسماً في «الثورة المخمليّة» التي «لم تُرَق فيها نقطة دم واحدة».
كم مرّ من الوقت على كل ذلك؟ ذهبتَ على عجل، متسللاً. ودّعك رفاقك وسط حصار رسمي. حزنّا لأنّك لن ترى اكتمال حلم صار صنواً لوجودك في السينما والحياة. أهمّ مخرج وثائقي عربي في جيله على الاطلاق، لن يتاح له أن يؤرّخ لهذا «الطوفان» الذي تنبّأ به. كيف نصارحك اليوم بمرارة، بأنّك أحسنت صنيعاً بالانسحاب قبل الكارثة؟ الطوفان أكل الأخضر واليابس. هل كان بوسعنا أن نحزر أن تحالف البنى الاستبدادية والمصالح الاستعمارية لن يسمح لنا بالتقدم ولو خطوة نحو جمهوريتنا؟
ها أنا اليوم أنظر إليك بارتباك، لا أملك كلماتي. ترى هل فرّقتنا «الثورة»؟ لا أظنّ. فرّقنا الزلزال عن أنفسنا. ابتلع الأخدود كثيرين منّا، الناجون يقاومون ببسالة الطاعون والكوليرا. الدكتور فاوست أصله عربي يا صديقي، يصفق للتتار ويرقص معهم على قبورنا. ليت الزمن يعود قليلاً إلى الوراء، إلى اللحظة التي كان فيها كل شيء ممكناً. أربع سنوات ولم نعتد على غيابك، نستحضرك مع آخرين، لنستعيد نقاط ارتكازنا. شخصياً لدي نقاش مؤجّل معك عن أفلام غودار، وفيلمك عن رفيق الحريري. «هناك أشياء كثيرة…». عذراً عمر، تفاؤل ونّوس الثوري، استبدلنا به يأس تاركوفسكي. عذراً لأننا لا نملك أن نواجهك الآن سوى بخيبتنا العظيمة. علينا أن ننتظر قبل أن نشمّ مجدداً «رائحة الجنّة».