مرزاق علواش وطارق تيغيا في بلد الأحلام المهشّمة


عثمان تزغارت
ثلاثة عقود تفصل بين تجارب الجزائريين مرزاق علواش وطارق تيغيا، لكنّهما يغرفان من النبع ذاته. ينحت صاحب «حراقة»، وصاحب «قَبلة» اللذين تستضيفهما «أيام بيروت السينمائية»، شخوص أفلامهما من عوالم الشباب الضائع والمهمّش في بلد «المليون عاطل من العمل». وليس مصادفةً أن يكون موضوع الهجرة السرية الذي يطرقه علواش في «حرّاقة» (2009)، هو ذاته الذي شكّل تيمة باكورة تيغيا «روما ولا أنتوما»، قبله بثلاثة أعوام. لا يقتصر الأمر على تشابه المضامين، بل تجمع بين المخرجين سمات أسلوبية. «الواقعية الجديدة» التي يمثّل تيغيا أحد أبرز رموزها في جزائر الألفية الجديدة، تمثّل امتداداً لـ«الواقعية النقدية» ذات المنحى السوسيولوجي التي أسهم علواش في التأسيس لها خلال السبعينياتباكورة علواش «عمر قتلاتو» (1976) كانت بمثابة المانيفستو المؤسس لـ«الواقعية النقدية» في السينما الجزائرية (والمغاربية)، بعد عقود من هيمنة السينما التمجيدية التي خرجت من معطف حركات التحرر الوطني. بدوره، كان العمل الأول لتيغيا «روما ولا أنتوما» (2006) إيذاناً بنهوض جديد للسينما الجزائرية، بعدما أطبقت عليها الخطابية والنبرة النضالية المباشرة، طوال سنوات المواجهة مع التطرف في التسعينيات. وإذا بهذا النفس النقدي المشبع بالروح التراجيكوميدية، يفتح شهية صاحب «عمر قتلاتو» للعودة على خطى بداياته، بعد رحلة تيه طويلة توزّعت بين السينما السياسية («الجزائر ـــ بيروت»، 1998)، والكوميديا التجارية («باب الويب»، 2005).
يفتتح علواش «حرّاقة» بمشهد درامي يتمثل بإقدام شاب على الانتحار شنقاً، بعدما فشلت محاولته للعبور سراً إلى الضفة المقابلة للمتوسط. هذه النهاية الدرامية لا تمنع ثلاثة من أصدقائه من ركوب المجازفة. بعد مساع شاقة تستغرق قرابة نصف الفيلم، تنجح الشلّة في إقناع أحد المهرّبين بقبولهم ضمن عشرة «حرّاقة» (مهاجرين سرّيين) يستعد لتهريبهم على متن زورق صيد صغير إلى إسبانيا.
في النصف الأول من الفيلم الذي يصوّر عملية الإعداد للهجرة السرية، يسلك علواش أسلوبه المعتاد. يستعيد أدوات الواقعية النقدية التي صنعت شهرته منذ «عمر قتلاتو» لتسليط الضوء، ضمن كوميديا اجتماعية ساخرة، على الأزمة الوجودية لأبطاله الشباب المتخبطين في عوالم التهميش وانسداد الأفق.
لكن المفاجأة ، تقع في النصف الأخير من الفيلم الذي يرصد رحلة العبور السرية. إذ راهن المخرج على المغايرة، ولم يكتف برصد المعاناة الإنسانية القاسية المرتبطة بتجارب الهجرة السرية. أراد صاحب «مغامرات بطل» أن يجعل زورق الصيد الأزرق الصغير الذي يقلّ أبطاله أشبه بـ«سفينة نوح» تجتمع على ظهرها مختلف مكوّنات المجتمع الجزائري (وتناقضاته). وإذا بالزورق الصغير يختزل في فضائه الضيق والمحفوف بالمخاطر، كل أسباب الخلاف والاقتتال بين الجزائريين. الرجال التسعة يسلّطون على المرأة الوحيدة المشاركة في الرحلة نظرة ذكورية متعالية، والمتدينون يبادلون العلمانيين نظرات الكراهية، بينما يفرّق التشكك وسوء الفهم بين أبناء المدينة وأبناء الريف، بين المعربين والفرنكوفونيين... أما السلطة الحاكمة، فيمثلها رجل الشرطة الذي يرغم «الحرّاقة» في آخر لحظة على اصطحابه معهم في هربهم، ولا يتردّد طوال الرحلة في استعمال مسدّسه ليفرض إرادته على الجميع.
من هذا المنظور، يحمل «حرّاقة» بصمات تأثيرية واضحة من رائعة ألفرد هتشكوك Lifeboat (١٩٤٤). آنذاك، في عز الصراع ضد


«عمر قتلاتو» (1976) كان بمثابة المانيفستو المؤسّس لـ«الواقعيّة النقديّة» في السينما المغاربيّة
النازية، صوّر هتشكوك مغامرات تسعة أشخاص يجدون أنفسهم على متن زورق صغير في عرض البحر، بعدما أُغرقت سفينتهم التي أصابتها قذائف غواصة ألمانية. ومن خلال الصراعات بين أبطاله المنحدرين من جنسيات ومشارب فكرية وأوساط اجتماعية مختلفة، استطاع صاحب «ظلال الشك» البرهنة بأن مواجهة التطرف والفاشية تبدأ بمحاربة الديكتاتور الصغير الكامن فينا جميعاً، والمتمثل في غريزة الخوف من المجهول التي تتولّد عنها مختلف أشكال التسلط وكراهية الآخر.
من جهته، ينطلق تيغيا من حيث انتهى علواش، ليسلك المنحى المعاكس. بعدما صوّر آلام «الحرّاقة» ومعاناتهم في «روما ولا أنتوما»، يعود في «قَبلة» ليُخضع الواقع الاجتماعي الجزائري المتأزم لمشرط النقد، عبر مغامرات مهندسين يكلّفان بأعمال المسح الطوبوغرافي لمنطقة ريفية في الغرب الجزائري. المشروع يأتي تمهيداً لإعادة تأهيل المنطقة عمرانياً، بعدما نزح سكانها إثر تعرضها لمجازر دامية على أيدي الجماعات الإسلامية في التسعينيات.ذات ليلة، يستفيق المهندسان على أصوات طلقات الرصاص، ليكتشفا أن مجزرة من نوع جديد ارتُكبت في المنطقة. ويعثران على الناجية الوحيدة التي تخبرهما بأن ضحايا المجزرة الجديدة هم «حرّاقة» من نوع آخر قدموا إلى المنطقة من أفريقيا السوداء، تمهيداً لمحاولة الهجرة سرّاً إلى أوروبا!


- «حرّاقة»: 7:30 مساء الأربعاء 22 أيلول (سبتمبر)
- «قبلة» 9:30 ليل الخميس 23/9 «متروبوليس أمبير صوفيل» ــــ للاستعلام: 01/204080