جاؤوا من بغداد ليطلقوا مجلتهم الوليدة من أحد مسارحها، فلم يجدوا أحداً... كأن الأخت البعيدة أضاعت وجهها في المرايا المرمّمة حسب متطلّبات الكباريه الجديد


شوقي عبد الأمير *
عندما وقفت على مسرح «بابل» تلك الليلة في الثالث من أيلول (سبتمبر) لأحيّي الشعراء العراقيين الذين قدموا ـــــ على نفقتهم الشخصية ـــــ من بغداد إلى بيروت لإطلاق أول مجلة شعرية عراقية حُرّة، هذا الحدث الشعري العراقي بامتياز، وإعلان تأسيس بيت الشعر العراقي وهو الآخر الأول من نوعه في العراق (راجع الكادر و«الأخبار» عدد 31 آب/ أغسطس و4 أيلول/ سبتمبر ـــــ التحرير)، أحسستُ بقشعريرة وأنا أنظر إلى المسرح الخالي تقريباً إلّا من بعض المقرّبين والأصدقاء للشعراء والمسرح.
كان أدونيس حاضراً في افتتاحية المجلة والأمسية، والشاعر شوقي بزيع، والشاعر والصحافي بيار أبي صعب، وزميله الشاعر حسين بن حمزة من «الأخبار»، والشاعر إسكندر حبش الذي قدّم الأمسية، ولا أحد من شعراء بيروت ومن الوسط الثقافي والإعلامي.
تردّدتُ لحظات قبل قراءة التحيّة لأقول ذلك ارتجالاً من دون إعداد، لأنّ المفاجأة كانت أكبر مما أتوقع. «لا... ليست هذه بيروت، وليست هذه القاعة اليوم هي صورة العلاقة العميقة والمشتبكة للحياة الشعرية والثقافية بين البلدين. هناك تبادل وسريان لأنساغِ تواصلٍ حقيقية ما زالت تتحرك من دون انقطاع بين العاصمتين، ولا علاقة لها بهذا المشهد المحزن».
لا يمكن أن نسمح لمشهد اللااكتراث واللامبالاة والمواقف الشخصيّة بأن يطغى على علاقة أساسيّة في الحياة الثقافية العربية، لأن ذلك يعني أن بيروت تستقيل، وهي بهذا المعنى لا تسيء إلا إلى صورتها المطبوعة في ذاكرة كل مثقف عراقي.
ما زلت أتذكر أننا كنّا في مطلع السبعينيات من القرن المنصرم نتطلع إلى بيروت على أنها العتبة الضرورية التي نطلّ منها على المشهد الشعري العربي والعالمي. وكنا ننتظر الأخبار والمطبوعات بكل أنواعها، والمسافرين العائدين من بيروت، هناك حيث يعتمل السؤال الشعري عربيّاً وتُختبر الأصوات والإنجازات.
بالطبع، صار الكل يعرف أن بيروت لم تعد ما كانت عليه قبل الحرب الأهليّة، ولكنّ بيروت اليوم لا يمكن أن تقبل بهذه الاستقالة ولا هذا الهامش الذي يضيق عليها قبل الوافدين إليها. ثم إنها ـــــ كما يُقال ـــــ تنهض من رمادها، وهذه حقيقة على مختلف الصُعد، إلّا الثقافية منها، فلماذا؟

الصحافة اللبنانيّة... هل فقدت الصلة بالشعر العراقي؟
إن علامة الاستفهام الكبيرة التي أرتطم بها تأتي من كون الأمسية لا تمثّل شاعراً بعينه لنختلف في مكانته وأهميته، ولنحتكم إلى علاقاته ومعارفه، مريديه ومعارضيه، المسألة أكبر من هذا بكثير. إنه العراق، وفي الشعر ولمناسبة تأسيس أوّل بيت للشعر وإصدار أول مجلة حُرّة شعرية في العراق (مجلة «بيت»). ليست بإشراف دولة أو وزارة، والدليل أنه لم يكن في القاعة أي حضور للسفارة العراقية في بيروت. إنه تحوّل جذري في عراق اليوم. هذا العراق الذي يصخب دماً وإبداعاً. هذا العراق الذي نبكي أو نتباكى على مصيره الدموي الذي آل إليه في السنوات الأخيرة. هذا العراق الذي لا بُدّ منه شعراً وحضوراً وكياناً. أم ترانا نتساءل لو كانت سفارة صدام حسين هنا وراء مجلة كـ«الأقلام» مثلاً، فهل كانت القاعة «ستغصُّ» بمحبّي الشعر العراقي؟
إنه لولا افتتاحية أدونيس التي أشار فيها إلى أنّ «هذه المجلّة تجيء في زمن عربي يمكن القول عنه إنه زمن اضطراب المعنى، اضطراب يبدو كأنه صورة للضياع أو نوع من الغياب». ولولا كلمات أنسي الحاج الرائعة في صفحته الأخيرة من «الأخبار» ليوم السبت 04/09/2010 التي اختتمها بالقول: «تحية إلى المجلّة الجديدة، العراق الخلّاق يعلّمنا كل لحظة، كيف يُماتُ الموت».
وكذلك الدور المسؤول الذي أدّته «الأخبار» في الاهتمام بهذا الحدث قبل وقوعه وبعده. أولاء هم الذين حفظوا ماء الوجه وأنقذوا ما يمكن إنقاذه من حطام صورة بيروت في الذاكرة الشعرية العراقية اليوم.
* * *
تكفي الإشارة إلى أن أولى فعّاليات «بيت الشعر العراقي» كانت «أصبوحة» ـــــ لأنه لا أمسيات ثقافية في العراق اليوم ـــــ مهداة إلى الشعر اللبناني حيث قرأ شعراء بيت الشعر الذين حضروا إلى بيروت مختارات للشعراء بول شاؤول، وعباس بيضون، ويوسف بزي، ويحيى جابر، وبسام حجار، وفيديل سبيتي، وفادي أبو خليل وشارل شهوان، وقد قاموا بهذه الفعالية وبمبادرة منهم تحيّة لزملائهم الشعراء..
كذلك قدّمت جريدة «الصباح» في ملحقها الثقافي الذي يرأسه الشاعر أحمد عبد الحسين ملفاً خاصاً بالشاعر عباس بيضون قبل الحادث المؤسف الذي تعرّض له، وكانت التفاتة من قبل أكبر صحيفة عراقية اليوم إلى شاعر لبناني لتقديمه إلى القارئ العراقي.
هذه أمثلة عمّا يقوم به شعراء العراق تجاه لبنان. أما الأدباء والمثقفون في الخارج، فلا أدلّ ممّا قام به الفنان العراقي المسرحي المتميّز جواد الأسدي، حيث وضع كل قدراته المادية والفنية من أجل إنجاح «مسرح بابل». هذا المسرح الذي كان مهجوراً وصار علامة فارقة في الحياة الثقافية في بيروت. وما قام به الباحث العراقي المعروف فالح عبد الجبار، حيث أسّس أهم مركز للبحوث والدراسات عن العراق في بيروت، وقد دعا مع مسرح «بابل» إلى هذه الأمسية. وقام الشاعر والناشر العراقي خالد المعالي بنقل دار النشر التي يرأسها بنجاح مشهود له من كولونيا في ألمانيا إلى بيروت. وما فعله كاتب هذه السطور عندما اختار بيروت عاصمةً لأكبر مشروع ثقافي عربي مشترك «كتاب في جريدة»، بعدما اقترحت منظمة اليونسكو عليه عواصمَ عربية كالقاهرة وتونس ودبي وعمّان.
إنني أتساءل لماذا يحدث هذا، ومع العراق بالذات؟ لماذا تتحجّر الساحة الشعرية اللبنانية، في صوامعها ومقاهيها، في وجه الشعراء العراقيين الوافدين إليها لمناسبة حدثٍ شعريّ بهذا الحجم؟ هل صفحة «السفير» الثقافية وصفحة «النهار» وصفحة «المستقبل»، التي على رأسها شعراء، لا تملك أي علاقة وأي تواصل مع الشعر العراقي، بحيث ظلّت مكتفية بأن تدير ظهراً وأن تلتفّ بعباءة اللااكتراث المقيتة.
إنني أقرأ صفحاتهم الأدبيّة كل يوم وأعرف مستوى النشر فيها والاهتمام والعناية التي توليها لنوع من الشعراء قادمين من منابر نعرف مصادر غناها وثرائها اللذين يمكن أن يكونا كبيرين، لكن بالتأكيد ليس في الشعر.
الجميع يعرف هذا. والجميع يقرّبه كحقيقة، ولن أكون ملكيّاً أكثر من الملك، فلن أطلب لبيروت صورة لا يطلبها أهلها لها. وإذا كان هذا الأمر سيبقى كذلك من دون احتجاج ومن دون تصويب، فتلك الصورة ستترسخ، وسيحملها العراقيون والعرب عن بيروت التي تكون قد ارتضت لنفسها هذا الدور.
أما عن العراقيين وبيت الشعر الجديد ومجلتهم الأولى، واحتفائهم بشعراء بيروت وقصدهم لها أوّل محطة، واختيارنا لبيروت عاصمة نشاطاتنا الثقافيّة، فنحن على صواب وحسناً فعلنا. ويجب أن نظلّ كذلك، لأن الشعر في العراق وأهله ماضون في السؤال الجوهري الذي أشار إليه الشاعر الكبير أنسي الحاج، السؤال الذي يمزّق كل الأقنعة والعُملات والتسويات، سؤال الشعر عارياً عن كل شيء إلّا الشعر.
* شاعر عراقي
رئيس تحرير «كتاب في جريدة»


احتفال بلا محتفلين

احتفالاً بولادة مجلة «بيت» الصادرة عن «بيت الشعر العراقي» (تأسّس عام 2009)، وبمبادرة من «مركز دراسات عراقية»، احتضن «مسرح بابل»، الأسبوع الماضي، أمسية شارك فيها الشعراء العراقيون أحمد عبد الحسين (الصورة)، وسهيل نجم، ومحمد ثامر يوسف وحسام السراي. أمام صالة شبه فارغة، قرأ هؤلاء قصائدهم المتمرّدة على يوميات الخوف والتزمّت والموت.