مرة جديدة، تأتي حكايات الصرف من المدارس الخاصة بلا أسماء وتجهيل الفاعل. فنقابة المعلمين لم تكشف، كما كان منتظراً أمس، هوية المدارس التي صرفت هذا العام عدداً غير مسبوق من المعلمين تجاوز الـ 400، و«ذلك تفادياً لدعاوى القدح والذم». إلاّ أنها واكبت، كما قال رئيسها رودولف عبود، ما استطاعت من حالات الصرف التي وردت إليها بدقة، بما يحفظ حقوق المعلمين، إن عبر التسويات مع إدارات المدارس أو من خلال اللجوء إلى القضاء، و«من بين هؤلاء من أخذوا تعويضاتهم، وهناك العشرات الذين استطعنا أن نحولَ دون صرفهم وأعدناهم إلى مدارسهم، وآخرون قدمنا لهم نصائح قانونية وساندناهم في رفع دعاوى قضائية أمام قضاء العجلة والقضاء المختص لنيل مستحقاتهم».

عبو ذكّر بأن قانون تنظيم المدارس الخاصة الذي أعطى الحق للمؤسسات التربوية بموجب المادة 29 صرف المعلمين، اشترط عدم التعسف في استعمال هذا الحق وإعطاء المعلمين حقهم بالتعويض. ومع ذلك، لم ينف النقيب الضغوط والتدابير غير القانونية التي مورست على المعلمين في بعض المدارس، منها إجبارهم على توقيع براءة ذمة من دون أن يحصلوا على كامل حقوقهم، عدم دفع مستحقاتهم بحالة الصرف أو دفع جزء يسير من هذه التعويضات وبكل الأحوال من دون احتساب الدرجات الست، خفض الراتب، الاستغناء عن المتعاقدين أو خفض ساعات التعاقد من دون تعويض، اجبار المعلمين الذين تخطوا الـ55 عاماً على الإستقالة، عدم دفع رواتب أشهر الصيف، تغيير العقود و/أو شروط العمل، دمج مدارس أو دمج شعب مع زيادة في عدد التلامذة بشكل كبير في الشعبة الواحدة (35ــــ 40 ــــ 45)، تعاقد في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة خلافاً للقانون حيث أجبرت إدارات المدارس معلميها على توقيع عقود تنقلهم إلى حالة التعاقد وسحبهم من الملاك، إجبار المعلمين الداخلين في الملاك على دفع الأقساط المدرسية عن أولادهم، تغيير شروط العمل أو إنهاء عقود وصرف المعلمين بحجة تغيير الإدارة، إطالة مدة الحصة إلى 60 دقيقة بدلاً من 50، خفض عدد الحصص الأسبوعية إلى 30 بدل 35 مع إلغاء مواد إجرائية أو تطبيقية عدة (موسيقى، كمبيوتر، مختبر، أو حتى حصص الرياضة البدنية) وتعديل دوام العمل.

لا فصل للتشريع قبل التحول إلى نقابة مهنة حرة


على خط موازٍ، بدأت النقابة، باعتبارها شخصية معنوية لها الصفة والمصلحة، باستخدام حق التقاضي أمام المحاكم ضد من يتواطأ على حقوق المعلمين ويسعى لـ «تطيير» تعويضاتهم، ويزعم حرصه عليها في الوقت نفسه، لا سيما لجهة تطبيق قانون سلسلة الرتب والرواتب والدرجات الست التي نص عليها. وفي ترجمة لذلك، سترفع النقابة دعاوى قضائية ضد المرجعيات التربوية الرسمية والخاصة التي شجعت وحرضت على عدم تطبيق القانون. وعلمت «الأخبار» أن هناك توجهاً بعد عطلة الأضحى لرفع شكوى إلى وزارة التربية على اتحاد المؤسسات التربوية بشأن البيانات التي حرّض فيها على عدم تطبيق القانون وأدائه في صندوق التعويضات.
الأسبوع المقبل، ستقدم النقابة، بحسب مستشارها القانوني الوزير السابق زياد بارود، طعناً أمام محكمة الاستئناف في قرارين صادرين عن صندوق تعويضات أفراد الهيئة التعليمية (محكمة ابتدائية بحسب القانون)، إذا لم يتراجع الصندوق عنهما، الأول يتعلق بإعطاء سلفة للمتقاعدين على التعويض وليس التعويض كاملاً، والثاني الامتناع عن قبول البيانات المالية للمدارس خارج المهلة القانونية، وبالتالي عدم تصفية حقوق المعلمين. وهنا يوضح بارود أنّ «لا ذنب للمعلمين الذين اقتطعت المدارس من رواتبهم محسومات للصندوق (6 % شهرياً) ولم تسددها إلى المرجع المختص، ما يشكل من الناحية القانونية سرقة موصوفة، مع العلم أنّ المبالغ المستحقة على أكثرية المدارس وصلت إلى المليارات من دونِ أن يحاسب المرتكبون على أفعالهم».
وفي ما يخص المتقاعدين، فقد تقدم عددٌ منهم، كما قال عبود، وبدعمٍ كامل من النقابة، بأربع دعاوى قضائية ضد مجلس إدارة صندوقي التعويضات والتقاعد، معلناً أن النقابة تتابع الجلسات المتتالية في انتظار صدور الأحكام القضائية.
ورغم الأزمة التي افتعلها اتحاد المؤسسات التربوية الخاصة بعدم تطبيق قانون السلسلة بكل مندرجاته و«حجز» تعويضات المتقاعدين لنحو 9 أشهر وتشبث الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب بطرس عازار، بصفته أحد ممثلي أصحاب المدارس في الصندوق، بعدم التوقيع على صرف الأموال بحجة المواد الخلافية في القانون، رأى بارود أن الأهل والمعلمين وأصحاب المدارس هم جميعاً ضحايا التعاطي اللامسؤول مع عدم تطبيق قانون صادر عن مجلس النواب، «فالمجلس النيابي والحكومة مسؤولان عن متابعة تطبيق القانون أو تعديله، فلا يجوز ضمان حسن التطبيق في القطاع العام والقول للقطاع الخاص دبّر راسك».
النقابة تبدو مقتنعة بأنّ الحل الوحيد للاستفراد الذي يمارس بحق المعلمين يكون بتحويلها إلى نقابة مهنة حرة تفرض إذن مزاولة مهنة، معلنة أنها ستطرح ذلك رسمياً في المرحلة المقبلة. حينئذٍ، يمكنها، بحسب عبود، مناقشة واعتماد عقد عمل جديد مع اتحاد المدارس الخاصة، يضمن الاستقرار الوظيفي للمعلم كما المستوى التربوي الجيّد، وانطلاقاً من المكتسبات المحققة بالقوانين المرعية الإجراء. حتى ذلك الحين، فإن أي كلام على فصل التشريع للمعلمين بين القطاع الخاص والقطاع العام «سيجعل المعلم أسير رغبات صاحب المدرس».