أستذكر رسماً كاريكاتورياً يقابل بين مشهدين: من جهة، ما يعتقد الطالب أنّه سيكون مشواره لنيل الدكتوراه ــــ وهو طريق بلا عثرات، خطٌّ مستقيم أي أقصر الطرقات بين التمنّي ونيل الأماني؛ بينما في الجهة المقابلة، يرتسم الطريق الواقعي الممتدّ بين الإنخراط الفعلي في التحضير للدكتوراه ونيلها: وهذا الطريق متعرّج، محفوف بالمعوقات، مزروع بالحواجز، ممتلئ بالمفاجآت...

منذ حصلتُ على رتبة أستاذ في التعليم العالي، وأصبح بإمكاني الإشراف على أطروحات الدكتوراه، ازداد المشهد الكاريكاتوري أعلاه رسوخاً في بالي، مع توالي أسماء المقبلين على التحضير للدكتوراه. فهل شهادة الدكتوراه جسرٌ للترقّي الاجتماعي؟ لا ضير، فليكن. وهل شهادة الدكتوراه بابٌ لتوفير ظروفٍ فضلى للعمل، كمًا وكيفاً؟ هنا، أيضاً، لا غضاضة في الأمر. ولكن، الدكتوراه هي، قبل كلّ ذلك، إضافة معرفية في الحقل المتخصّص للطالب الباحث وللأستاذ المشرف. أي أن الطالب الباحث لا يكسب لقب دكتور بعد إتمامه 400 صفحة مكتوبة، فيضيف الداء والنقطة قبل اسمه، وعلى جرس باب منزله... المطلوب إضافة معرفية نوعية في الحقل المعني... لا رفع أعداد حملة الداء والنقطة قبل أسمائهم.
وكم هالني اطلاعي على أبحاث مقدّمة على امتداد سنوات، كمشاريع دكتوراه، تجترّ العناوين التي ملّتها أدبياتها، أو أطروحات متقاربة في المواضيع ومسجلة لدى أكثر من طالب، أو تقفّي أثر إحدى الممارسات أو القدرات على أحد النواتج... وكلّ منها ترسم حدوداً مكانية: فهذا بحث في بيروت وضواحيها، وآخر في الجنوب أو النبطية، وآخر في الشمال أو في البقاع... هذا النمط السائد منذ فترة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، فضلاً عن الدراسات الوصفية التحليلية، لم يعد يقدّم أي جديد ولا هو ذو منفعة علمية كالتي يجدر أن تؤمنها الدراسات والمشاريع الدكتورالية.
أقول ذلك وأنا أرافق عدداً من الطالبات والطلاب اللبنانيين والعرب في مشوارهم لنيل شهادة الدكتوراه تحت إشرافي، وأرى غيرهم من الطالبات والطلاب، منهم من بدأ مشواره وسينهيه ومنهم من لم يتوفق بعد... ولكن همّي، مع طلابي ومع غيرهم، أن يخرجوا في نهاية المطاف بما يليق أن يكون إضافة معرفية نوعية في مجالها... وهنا، لا حق للطالب على المؤسسة بتسجيله، بل حق العلم على الطالب أن يكون في مستوى تقديم مستلزمات الحصول على شهادة الدكتوراه. نعم، شهادة الدكتوراه ليست حقاً، يدخل تحت سقف حق التعلّم للجميع وقابلية التعلّم، بل هي واجب تقديم ما يغني ويثري العلم. ليست الدكتوراه في عداد ديمقراطية التعليم، بل في عداد النوعية. وهي ليست نخبوية، بل تصفية حقيقية للمشاريع الواعدة للعلم وللمجتمع.
علّمتني ذلك تجربتي في إعداد الدكتوراه قبل أن أصبح استاذاً جامعيًّا ومؤهلاً للإشراف على طلاب الدكتوراه. حيث بدأتُ الإعداد لمشروعي للدكتوراه في إحدى الجامعات الخاصة في لبنان، وكان النقاش حامي الوطيس على مقارباتي للمواطنية وإدارة التعدّدية، ما جعلني غداة تسجيلي في لبنان، أبحث عن مشرف آخر وجامعة أخرى، فأصبحت طريقي إلى الدكتوراه، بعدما خلتُها خطًا مستقيمًا، إذ بها تمرّ بجنيف... نعم، توفّرت لي الفرصة في جنيف، بعد فرص كثيرة خلتُها بمتناولي ولكنّي لم أستفد منها في باريس وليون حيث كانت المعوقات والحواجز الشتّى بالمرصاد. كان أستاذي الفرنسي المقيم في جنيف خير هادٍ لي ومعلّم. وقد استفدتُ من تجربته لمقاربة مفهوم المواطنية في المجتمعات الديمقراطية الأوروبية، ودرستُ على يديه المقاربة بخلفيتها النظرية واستخدمتُ أدواتها التطبيقية في المجتمع التعدّدي اللبناني، لا سيما في مجال شعور الانتماء الجماعي وعناصر بناء الثقافة المواطنية.
إلى طلابي وجميع الطلاب الذين يأخذهم طموحهم وتدعمهم مؤهلاتهم وقدراتهم لخوض غمار مشروع الدكتوراه، أقول: اذهبوا بطموحاتكم إلى حيث تأخذكم، وتوقّعوا المطبّات والعوائق والحواجز... وتغلّبوا عليها. ولا تدخلوا بالعوامل السياسية والاجتماعية ومساءلة أثرها على عمل المؤسسات... فدوركم إنتاج العلم، فقط إنتاج العلم، ولو كان في أقصى الأرض، فلا سقف سيحول دونكم وهدفكم. ودور الفاعلين الأكاديميين والسياسيين والاجتماعيين توضيح العلاقة بين جميع هذه العوامل، فاتركوا للنظام السياسي والاجتماعي فرز الأزمات، ولا تنتجوا، أنتم، سوى العلم.
* أستاذ المواطنية في كلية التربية
في الجامعة اللبنانية