ضاقت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان ذرعاً بطالبي اللجوء السودانيين المفترشين باحة مبناها منذ نحو شهرين ونصف شهر. حاولت أن تقمعهم أكثر من مرة ليرحلوا وينهوا اعتصامهم: «منعتهم منذ شهر عن استعمال حماماتها، ما اضطرهم الى استعمال بورة مجاورة، وأزالت الشادر الذي وضعوه منذ أسبوعين ليقيهم زخات المطر الفجائية وحذّرتهم من نصب الخيم، وهدّدتهم باستقدام القوى الأمنية لإخراجهم بالقوة»، لكنّهم أصروا على البقاء حتّى استحصال أبسط حقوقهم بالحماية القانونية.


صباح السبت الفائت، قررت المفوضية أن على هؤلاء أن يخرجوا من باحتها فاقتدت، وفق رواية المعتصمين، بـ»الدولة الأمنية» ولجأت إلى طريقة «ميليشيوية»، إذ أرسلت رجال الأمن المكلفين حراسة المبنى من أجل فض هذا الاعتصام ورمي أغراض اللاجئين خارجاً، إلّا أنّ المفوضية تنفي هذا الأمر، فتعلن الناطقة باسم المفوضية دانا سليمان أنه «طُلب من المعتصمين الخروج من باحة المبنى وحصل الأمر بطريقة سلمية جداً». يتحدّى المعتصمون المفوضية ويطالبونها بالاطلاع على ما صورته كاميرات المراقبة الموجودة في الباحة.
يروي طالبو اللجوء السودانيون ما حصل معهم ذاك الصباح، لكنهم يطلبون عدم ذكر أسمائهم خوفاً من «كيدية» المفوضية، كما قالوا. يخبر أحمد (اسم مستعار) أنّه «صباح السبت الفائت، كنا جالسين في الباحة، فجأة لاحظنا حركة غير اعتيادية من قبل رجال الأمن التابعين للمفوضية». فبعدما شارف هؤلاء على دخول شهرهم الثالث في الباحة، باتوا يميزون بين الحركة الاعتيادية والحركة «الغريبة» لرجال الأمن، فيقول أحمد «عادةً يكون عدد رجال الأمن يومي السبت والأحد قليلاً لأنه لا يوجد أحد في المكاتب، لكن هذه المرة كان هناك نحو 10 منهم». يُكمل أحمد ما حصل: «حضر مسؤول الأمن مع 7 عناصر وأمرنا بغضب بإزالة أغراضنا وهي عبارة عن فرش للنوم وبعض الأغطية. وعندما سألناه لماذا؟ أجابنا بأنّ هناك قراراً من المفوضية بإزالة الأغراض ورميها في الخارج». رفض المعتصمون إزالة أغراضهم وطلبوا من مسؤول الأمن أن يحضر ورقة رسمية بقرار المفوضية، فما كان منه إلا أن اقترب من أحمد وأخذ أغراضه ليرميها فمنعه. صرخ أحمد بمسؤول الأمن «أين أنام إذا أخذت أغراضي؟» فأتاه الجواب لكمةً على فمه، ليلتفّ حوله سريعاً 5 رجال من الأمن أمسكوه برقبته ويديه وقدميه ورموه خارج الباحة مع أغراضه وبدأوا بركله وضربه، ما أدّى إلى تضرر ركبته. أخرج رجال الأمن جميع الشبان من الباحة ورموا كل الأغراض خارجاً، وطلبوا من النساء والأطفال المغادرة، لكنهم أصروا على البقاء فهددوهم «بإحضار الدرك».


مطلب هؤلاء
هو فقط إعطاؤهم صفة اللجوء

تؤكد سليمان أنّ «المفوضية طلبت من المعتصمين غير المعترف بهم كلاجئين إخلاء الباحة سلمياً، وكانوا آنذاك نحو 7 أشخاص فقط في الاعتصام».
تُكمل جميلة (اسم مستعار)، التي بقيت في الباحة، ما حصل بعدما «اقتحم» رجال الأمن الاعتصام، تقول إنهم «أحضروا على الفور خراطيم المياه وبدأوا بغسل الأرض مكان الاعتصام وتمزيق الصور والشعارات التي علقناها واستهزأوا بنا». منع رجال الأمن النساء من إحضار أي غرض، فقضت النساء وأطفالهنّ ليلتهنّ نائمات على الأرض. تدمع جميلة وهي تُخبر كيف بقيت ابنتها التي لم تتجاوز السنتين تبكي طوال الليل لأن رجال أمن المفوضية المسؤولة عن حماية اللاجئين لم يسمحوا لها بإدخال شرشف صغير لتغطيتها.
حتى أمس، أعلن المعتصمون أنه لم يتحدّث أحد من المفوضية معهم على خلفية الإشكال الذي وقع، يقولون إنّ المفوضية «لا يعنيها أمرهم». بدأ هؤلاء اعتصامهم الدائم منذ 20/7/2015. أكثر من شهرين مضيا على افتراشهم باحة المبنى من دون أن تلقى مطالبهم أي تجاوب من قبل المفوضية التي لا تزال مصرة على جوابها الوحيد: الأولوية للاجئين السوريين، وفق ما يقول وليد (اسم مستعار) أحد اللاجئين السودانيين «المُرابطين»، إلّا أنّ جميلة تكذّب حجة المفوضية: «لا دخل للسوريين بما يحصل، فهناك سودانيون أُغلقت ملفاتهم قبل الأزمة السورية، وهناك استنسابية في القرار لدى المفوضية حيث تمّ قبول ملفات البعض وأُهملت ملفات الآخرين». مطلب هؤلاء هو فقط إعطاؤهم صفة اللجوء من قبل المفوضية لضمان الحماية القانونية لهم. يذكر أحمد أنّه «تقدّم بطلب لجوء عام 2012 لكنهم رفضوا طلبه»، آنذاك برروا فقط بـ»أننا لا نستحق صفة اللجوء». يقول «أنا لا أريد مساعدات، إنما أحتاج الى بطاقة اللجوء فقط من أجل الأمان». يضيف بلكنة لبنانية «ما بدي لما كون ماشي عالطريق أهرب كل ما شوف دركي!».
من جهته، يقول وليد إن أوراقه تحتاج الى تجديد منذ عام 2009 وإنه يخضع منذ ذلك الحين لتأجيل «أقله 5 أشهر عند كل موعد»، لافتاً الى أن «الكثير منا يقبع في السجون بسبب هذا التجاهل، فضلاً عن أن هناك أطفالاً سودانيين لا يستطيعون دخول المدارس بسبب عدم حيازتهم إقامة». أمّا جميلة التي أتت الى لبنان عام 1999، فقد أبلغتها المفوضية عام 2013 أنّ ملفها أُغلق من دون إعطاء أي تبرير.
تشرح سليمان أنّ «إغلاق الملف يعني أنه بعد دراسة ملف طلب اللجوء المقدّم وإجراء مقابلة مع المعني يتم تحديد ما إذا كانت تنطبق صفة اللاجئ على مقدّم الطلب وذلك استناداً إلى المعايير التي حددتها اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين». تضيف سليمان إنّ «أغلبية المعتصمين لم تنطبق عليهم صفة اللجوء، ونحن التقينا بهم فرداً فرداً وأطلعناهم على الأمر. حالياً لا يمكن أن نساعدهم إلا في حال حصول تغيير في وضعهم. هناك عدد قليل منهم معترف بهم كلاجئين يريد إعادة التوطين في بلد ثالث، وهذا أمر خاضع لمعايير المفوضية والبلد المستقبل ولكوتا محدودة، إضافة إلى أقلية لا تزال ملفاتها قيد الدرس». أمّا عن اعتراضات المعتصمين، فتلفت الى أنه «كان يمكن لهؤلاء استئناف النظر في طلب اللجوء خلال مهلة 30 يوماً من تاريخ الرفض».
تشكو جميلة أنه «تم توقيفها مرتين على الحواجز لأنها لا تملك أوراقاً قانونية، لكنهم تركوها «شفقة» لأن معها طفلة». تواجه هذه السنة ابنة جميلة الوسطى البالغة من العمر 14 عاماً، مشكلة عدم استطاعتها تقديم الامتحانات الرسمية بسبب وضعها المسؤولة عنه، برأي جميلة، مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التي يجب أن تُعنى بهم.