القاهرة | تفتح القاهرة أبوابها دوماً للفنانين العرب، لكن قلة منهم تنجح في الذوبان داخل النسيج المصري أبرزهم صباح. بقيت شائعات وفاتها تنطلق بانتظام خلال السنوات العشر الأخيرة، لكن عندما صعدت روحها إلى السماء، لم يصدق المصريون الخبر. نعتها وسائل الإعلام المصرية بما يليق بمكانتها الفنية في "هوليوود الشرق"، وصَدقت توقعات الجمهور عندما تصدّرت أغنية "سلمولي على مصر" (كلمات حسين السيد وألحان محمد الموجي) قائمة الأغنيات المستدعاة من أرشيف صباح لتتداولها أغلبية إذاعات القاهرة صباح أمس، بعد دقائق من انتشار الخبر المحزن.


استمع المصريون إلى الأغنية مجدداً، لكن باعتبارها رسالة وداع من فنانة لطالما احترمت البلد الذي صنع نجوميتها، ونادراً ما تعامل معها أهله باعتبارها ضيفة، على غرار ما حققته الراحلة وردة الجزائرية، التي جمعت حبّ الشعبين المصري والجزائري. كانت صباح من الوجوه التي لا تخاف غدر الزمن. أعطت جمهورها دروساً في حبّ الحياة.
جاءت إلى مصر في الأربعينات. موهبتها كانت بوابة عبور ملكية التقطتها عين المنتجة المصرية آسيا داغر (1901-1986) وأوكلت للموسيقار رياضي السنباطي تدريبها على غناء كل الأنماط بعدما كانت معتادة فقط الأغنيات ذات الطابع الجبلي. وبعد أول فيلم "القلب له واحد" (اخراج هنري بركات وسيناريو بديع خيري) عام 1945، انطلقت صباح واستمرّ عطاؤها الفني موهبة وإبداعاً حتى عام 2009. ولولا المرض لغنّت لليوم الأخير في حياتها. خلال ستين عاماً، قدّمت الصبوحة عشرات الأفلام ومئات الأغنيات التي بقى الكثير منها شاهداً على موهبة فطرية وكاريزما وفّرت لها مجال جذب واسعا شدّ إليها ملايين المعجبين من المحيط إلى الخليج. ولصباح في "هوليوود الشرق" علامات سينمائية وغنائية بارزة ربما يكون صعباً إحصاؤها، عكس مجموعة قليلة من المسرحيات التي لم تحفظها ذاكرة التلفزيون. من أبرز أفلام الشحرورة في مصر "الرجل الثاني" (1959 ـ إخراج عز الدين ذو الفقار وتأليف يوسف جوهر) مع رشدي أباظة وصلاح ذو الفقار. كما لها علامة بارزة في مشوار الفنان الراحل عبد الحليم حافظ عبر فيلم "شارع الحب" (1958 إخراج عز الدين ذو الفقار وسيناريو يوسف السباعي) وكان من الأفلام التي تأكّد من خلالها ذكاؤها الفنيّ حيث رفضت دوراً آخر بأجر مرتفع كي تقف أمام "العندليب" وخرجت رابحة من المعادلة كما اعتادت دائماً. من أفلامها المميزة أيضاً "خطف مراتي" (1954 ـ سيناريو بديع خيري وإخراج حسن الصيفي) مع أنور وجدي وفريد شوقي، والفيلم الكوميدي "العتبة الخضراء" (1959 ـ إخراج فطين عبد الوهاب) مع أحمد مظهر وإسماعيل ياسين. ومع مظهر أيضاً، قدّمت واحداً من أهم أفلام مصر في القرن العشرين وهو "الأيدي الناعمة" (1963 ـ إخراج محمود ذو الفقار وسيناريو توفيق الحكيم) بمشاركة صلاح ذو الفقار ومريم فخر الدين. وفي مرحلة عمرية أكثر تقدّماً قدمت الفيلم الشهير "ليلة بكى فيها القمر" 1980 (إخراج أحمد يحيى وتأليف عبدالرحمن الأبنودي) مع حسين فهمي، الذي تضمّن أغنيتها المعروفة "ساعات ساعات"، ولم تعتمد صباح أبداً على السينما لتحقيق الانتشار كمطربة. كان لها انتشارها الخاص في حقبة ضمت أصواتا نسائية عظيمة كأم كلثوم وشادية ونجاة وغيرهن الكثيرات، وحفلاتها كانت دائماً كاملة العدد، وخصوصاً أنها اختارت الإيقاع السريع والمبهج لمعظم أغانيها غير القابلة للحصر، التي تبرز منها أغنية كل الأمهات في مصر "حبيبة أمها"، و"علمني الحب" و"يلا نعيش الحياة" و"عاشقة وغلبانة" و"زيّ العسل" و"يا دلع يا دلع" و "أنا هنا يا ابن الحلال".