الأخطار التي تهدّد بعض الأقطار العربية، لا تقتصر على التهديدات الإسرائيلية وحدها. ففيما تحوّل الصلح مع إسرائيل إلى لقاح جديد يحميها من «الخطر الإيراني»، تبيّن أن «جائحة» التطبيع اجتاحت عدداً منها ضمن أهداف متباينة لكلّ منها، من بينها سدّ فجوة الغذاء التي عجزت عن ردمها بواسطة مواردها وأراضيها. عملياً، إن حروب المياه التي شنّتها عليها دول الجوار، منعتها من تحقيق أمنها الغذائي. تركيا حبَسَت مياه دجلة والفرات عن بلدَين في المشرق العربي، وأثيوبيا أيضاً حبَسَت مياه النيل عن مصر والسودان «فابتلع» سدّ النهضة كلّ مياه النيل الأزرق. وسبق لإسرائيل أن أقدمت على سرقة مياه نهر الأردن منذ ستين عاماً.

على هذه الأنهر الأربعة حكايات تذكّر بالفتوحات العربية. فعلى نهر اليرموك، حققّوا أولى انتصاراتهم في المشرق العربي وسلكوا الطريق نحو المغرب الأقصى في اتجاه معاكس لمجرى نهر النيل إلى أن بلغوا نهر الوادي الكبير على أبواب غرناطة. رغم ذلك، استولى على مياه دجلة والفرات معتدٍ من الشرق، بينما مياه النيل ردّها آخر في اتجاه الغرب. في الحالتين، ادّعى المعتدون على المياه أن بلد المنشأ أحقّ في استخدام مياه النهر، متناسين أن سكان ما بين النهرين أقاموا منذ 5 آلاف سنة أول سدّ على مستوى العالم، وأن هارون الرشيد أقام أول نظام ريّ متكامل قبل أكثر من 1400 عام، كما تُعدّ منشآت وادي النيل منشآت أول حضارة قامت في العالم على ضفاف نهر النيل، فيما كانت مصر الفراعنة تؤمّن القمح لكلّ بلدان الهلال الخصيب.

داريو كاستيليخوس ــ المكسيك

إنّ أزمة الغذاء في الوطن العربي لا يعود سببها إلى نقص المياه أو في الرقعة الزراعية المخصّصة لإنتاج الغذاء، كما يدّعي معظم الحكّام العرب. وصل الأمر ببلد كالسودان يملك مساحة من الأراضي الزراعية تفوق 12 ضعف مساحة لبنان، ونحو 8 أضعاف مساحة إسرائيل بالإضافة إلى ثروة مائية تُقدّر بأربعة أضعاف ما يملكه لبنان من مياه، و7 أضعاف ما تملكه إسرائيل، أن يستغيث ويطلب من إسرائيل إمداده بالطحين أو انتظار «مكرمة» من دولة الإمارات قوامها 67 ألف طن من القمح.
لا يقتصر هذا النقص في إنتاج الغذاء على السودان وحده. بل يمتدّ إلى أقطار عربية أخرى تتوافر فيها كل عناصر الإنتاج لتحقيق أمنها الغذائي واكتفائها الذاتي؛
فلبنان الذي يعدّ «قصراً مائياً» بما لديه من ثروة مائية معتبرة تنساب بمعظمها إلى البحر عبر 12 نهراً دائم الجريان، أو تذهب خارج الحدود عبر ثلاثة أنهر، ولديه سهل داخليّ أُطلق عليه ذات يوم اسم «إهراء روما»، تحوّل إلى بلد تابع للخارج في غذائه بنسبة 85% من حاجاته للرغيف، وبنسبة تفوق 87% من حاجاته للمنتجات الحيوانية من لحوم وحليب ومشتقاته.
والعراق الذي يملك ثروة مائيّة تقدّر بضعفي ما تملكه مصر تقريباً، ويملك مساحات واسعة من الأراضي المرويّة التي تساوي مساحة الأراضي المروية في مصر، بات غير قادر على إشباع سكّانه الذين يقلّ عددهم عن 40% من سكان مصر. تاريخياً، وبالتحديد في العصر العباسي، كان العراق يأوي 30 مليون نسمة يأكلون مما تنتجه أرض العراق ويصدّرون الفائض إلى الخارج.
في المقابل، نرى مصر التي يشكّل سكانها خُمس سكان الوطن العربي، ومواردها المتوفرة لا تزيد عن موارد السودان وخصوصاً المياه والأراضي الزراعية، تتمكّن من توفير جزء كبير من حاجاتها للغذاء من إنتاجها المحلي. فهي مكتفية بالأرز والذرة والسكر والبطاطا. ويغطّي تصدير القطن الذي تنتجه ثمن القمح الذي تستورده من الخارج.
كما أن سوريا بقيت على مدار سنوات القرن العشرين، وقبلها أيضاً، قادرة على تحقيق أمنها الغذائي. خلال مواسم الإنتاج الجيدة، كانت تصدّر قمحها الشهير إلى لبنان وفرنسا. ورغم الحرب الكونية التي شُنّت عليها، في السنوات التسع الأخيرة، و«حصار قيصر» الظالم لها، والحرب المستعرة التي هجّرت نحو نصف سكانها ودمرت البنية التحتية فيها والمنشآت، بقيت محافظة على إنتاج ما يكفيها من غذاء.
إن هذا الواقع المؤلم الذي يحول بين بعض العرب، وبين قدرتهم على تحصيل غذائهم، لا يعود فقط، إلى التعدي على مياههم، أو إلى حروبهم السابقة مع إسرائيل. فرغم هذه الصعوبات، نفّذ عبد الناصر أعظم سدّ مائي في العالم بين حربَي 1967 - 1973. كذلك نفّذ حافظ الأسد سدّ الطبقة الذي تزيد سعته على 14 مليار متر مكعب من المياه في ظل حربَي 1967 - 1973، ونفّذ العراق سدّ القادسية (11 مليار متر مكعب) في ظل الحرب العراقية الإيرانية، وحروب الأكراد، كما نفّذت ليبيا مشروع السدّ الصناعي العظيم الذي نقل مياه حوض السرير من الصحراء الليبية مسافة 1000 كيلومتر، ووزّعها على مدن الشريط الساحلي الذي يزيد طوله على 1980 كلم، باستغلاله طفرة أسعار النفط في أواخر التسعينات.
إن الذي يحول الآن دون تحقيق المشاريع المائية العملاقة وتأمين الأمن الغذائي للشعوب العربية، يعود بالدرجة الأولى إلى عجز وعُقم الإدارات المشرفة على قطاع المياه حالياً.
هذه الإدارات المعيقة هي التي تسبّبت بتبديد المياه وتلوّثها. فحالة التسيّب والفلتان التي أصابت قطاع المياه في مختلف الأقطار العربية، لم تأتِ من الخارج، على قاعدة «أن وراء كلّ مشكلة مؤامرة»، بل من سوء الإدارة وغياب التخطيط.
قبل حلول جائحة «كورونا»، أُصيبت معظم الإدارات المشرفة على قطاع المياه في الدول العربية بـ«جائحات» أخرى منها ظاهرة الغياب والتأخّر في تنفيذ المشاريع المائية، وكارثة التلوّث المريع للمياه. سنكتفي الآن باستعراض ما أصاب الإدارة المشرفة على قطاع المياه في لبنان، كمثل معبّر وصارخ عن بقية الإدارات العربية الفاسدة.
لبنان الذي لديه ثروة مائية تنساب بمعظمها إلى البحر عبر 12 نهراً أو خارج الحدود، ولديه سهل داخليّ أُطلق عليه ذات يوم اسم «إهراء روما»، تحوّل إلى بلد تابع للخارج في غذائه بنسبة 85% من حاجاته للرغيف، وما يفوق 87% من حاجاته للمنتجات الحيوانية من لحوم وحليب ومشتقاته


إن أخطر الجائحات التي عطّلت هذه الإدارات هي:
1- جائحة الغياب liabsenteisme
طاولت جائحة الغياب سلطة الوصاية على مصالح المياه الخمس وأعمال الصيانة فيها، وأجهزة الرقابة على المشاريع المائية (ري، ومياه شفة)، وذلك على امتداد سنوات الحرب الأهلية في لبنان، وما رافقها من حروب شنّتها إسرائيل على هذا البلد. رافقها كذلك، غياب الأجهزة الأمنية، وأجهزة الرقابة على المياه. فاستُبيحت المياه الجوفية، وأقدم آلاف المخالفين على حفر الآبار العشوائية من دون الحصول على ترخيص من الجهات المعنية، وزُيّنت مداخل البنايات في بيروت بشعار «البناية مجهزة ببئر ارتوازية».
نتج عن هذا الاستثمار الجائر للآبار العشوائية، هبوط حاد في مستوى المياه في الخزان الجوفي، ودخول مياه البحر إليه. كما أدّى إلى تعطيل جميع عدادات المياه على المخارج في مشاريع الري، وعلى مداخل المنازل في بيروت وسائر المناطق السكنية. كلّ ذلك حصل في ظلّ غياب مراقبي المياه عن شبكات التوزيع في مشاريع الري، وعن شبكات مياه الشفة. كما وقع التعدّي على المنشآت المائية في ظلّ غياب الدولة وسيطرة قوى الأمر الواقع.
تكرّر المشهد نفسه في سوريا وفي العراق، وفي أكثر البلدان العربية الأخرى. فقد جرى حفر الآبار الجوفية في الغوطة والمرج بلا ترخيص، ما أدّى إلى هبوط مستوى المياه الجوفية بنسبة تتراوح بين 10 أمتار و30 متراً. كما احتل الإرهاب التكفيري سدّ الطبقة، وسدَّي الموصل والقادسية. وفي ظلّه، غابت أجهزة الرقابة، وتخلّت عن القيام بدورها لوقف التعديات على المياه والأرض والمنشآت العامة الأخرى.
2- جائحة التأخير في تنفيذ المشاريع المائية الكبرى
عطّلت جائحة التأخير هذه، تنفيذ مشاريع الري واستثمار الأراضي المنتجة للغذاء. فتأخّر مشروع ريّ الجنوب (21 ألف هكتار)، ومشروع ريّ البقاع الجنوبي (21 ألف هكتار) نحو خمسين سنة وأكثر. وتأخّر أيضاً تنفيذ مشروع سدّ بسري نحو أربعين عاماً ما ألحق بسكان بيروت أضراراً جسيمة ليس أقلّها عطش مدينة بيروت التي تعوم على بحيرة مائيّة ضخمة وتصبّ عند مداخلها مياه أربعة أنهر في عرض البحر.
3- جائحة التلوث الشامل
أصابت جائحة التلوّث الشامل، بالدرجة الأولى، المياه (السطحية والجوفية). فالنفايات الصلبة تُرمى في مكبّات عشوائية نالت بيروت حصّتها منها بثلاثة مكبّات: الناعمة، الكوستا برافا، وبرج حمود.
ومياه الصرف الصحي، تُطلق إلى البحر، أو مجاري الأنهر، أو مجاري السيول الشتوية. وكارثة الليطاني تقدّم نموذجاً صارخاً عن هذا التعدّي إذ تصبّ في مجراه مياه الصرف الصحي العائدة لـ48 قرية ومدينة في البقاع الغربي حتى باتت مياه الصرف الصحي تمثّل ربع سعة بحيرة القرعون (نحو 50 مليون متر مكعب).
فوق كلّ ذلك، هناك مئات المصانع والمعامل التي تطلق مخلّفاتها إلى النهر. منها معامل ألبان وأجبان، مسالخ، مداجن، مناديل ورقية، كونسروة، agro alimentaires، وغيرها.
هذا الانطباع لا يمنع توجيه التحيّة إلى الإدارة الحالية لمصلحة الليطاني لحملات التوعية والردع التي قامت بها، لكن الملوّث الأول المتمثّل بمياه الصرف الصحي ما زال يُطلَق في البحيرة.
إن هزائم العرب المتلاحقة في حروبهم مع إسرائيل، قد تعود أسبابها إلى تشرذم سلطة القرار، وضعف السلاح والجاهزية، فما الذي يمنعهم من توجيه رؤوس أموالهم لتوظيفها في السودان ليملأ هذا الأخير إهراءاتهم بالقمح، ويزيّن مناسفهم بلحم الغنم؟
لعلهم تركوا هذه المهمّة لإسرائيل التي ستغزو قريباً، بالكيبوتزات والمشاف، حقول وادي النيل، لتمدّ العرب بالطحين. «هديتها» الأخيرة وصلت إلى السودان كـ«طعم» يحثّهم على التطبيع.

* مهندس زراعي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا