دفعت الأزمة المالية عام 2007 الاقتصاد العالمي إلى أكبر تراجع منذ الكساد الكبير. واستطاعت الطبقات الرأسمالية إنقاذ النظام عبر مزيج من الحوافز والائتمان المنخفض الثمن وإجراءات تقشّف كبيرة طالت الطبقات العاملة حول العالم. وعلى الرغم من أنّ هذه الخطوات حفّزت انتعاشاً جديداً، إلاّ أنّه انتعاش ضعيف عانى من مجموعة من التناقضات السياسية والاقتصادية.

طلبت مجلّة «إنترناشونال سوشلست ريفيو» International Socialist Review من مجموعة من الاقتصاديين الماركسيين إعطاء تقييمهم الخاصّ لعصرنا الاقتصادي ومساره.
يقدّم مايكل روبرتس مساهمة بعنوان «الرأسمالية: اليوم وغداً»، حيث يبحث في أسباب ما يعتبره ركوداً عالمياً اليوم وكيفية تجاوزه: سواء في ثورة يقودها العمّال لإرساء اشتراكية عالمية أو بجولة جديدة من التنمية الرأسمالية ذات التداعيات الاجتماعية والبيئية المدمّرة.
لم يتّسم تطوّر الرأسمالية يوماً بالتجانس. فمنذ مطلع القرن التاسع عشر، حصلت الكثير من الطفرات والانهيارات بوتيرة منتظمة ومتكرّرة. ولكننا واجهنا انهياراً كبيراً في عامي 2008/2009 بعد الأزمة المصرفية العالمية. وكان الركود العالمي الأكبر منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
ونتيجة لذلك، شهدت كلّ الاقتصادات الكبرى في العالم انحداراً حادّاً في نواتجها القومية. وردّاً على ذلك، فرضت الحكومات اقتطاعات في برامج الرفاه والخدمات العامّة أو ما سُمّي بإجراءات التقشّف. وأدّت الأزمة إلى تدمير حياة عشرات ملايين الناس وخسارتهم منازلهم وأشغالهم. وتكبّد الرفاه البشري خسارة لا تعوّض.
اللافت أنّ التعافي من هذا الركود كان ضعيفاً. فالنواتج القومية والتوظيف ومداخيل الناس في معظم الاقتصادات لم تتعافَ إلى مستويات 2007. ووفقاً لتقرير أعدّه مستشارون في الإدارة، في شركة «ماكنزي»، كانت المستويات المعيشية لثلثي الأسر في الدول الست والعشرين الأعضاء في منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 2015 أدنى منها في عام 2005! لذلك، لم يكن ذلك ركوداً «عادياً» بل كساداً.

«كسادات كبيرة»
في حالات الكساد، يكون الانتعاش ضعيفاً جدّاً إلى درجة أنّ الاقتصادات لا تعود إلى النمو بالمعدّلات نفسها، ولا تعود حتّى إلى تحقيق الناتج الذي كانت تحقّقه في السابق لفترة طويلة جدّاً. لا يحصل ذلك غالباً، ففي تاريخ الرأسمالية، حصلت ثلاث حالات كساد، واحدة في أواخر القرن التاسع عشر، وواحدة في ثلاثينيات القرن الماضي، والآن.
بدأ «الكساد الكبير» في ثلاثينيات القرن الماضي بانهيار سوق الأسهم في الولايات المتّحدة في عام 1929 على غرار انهيار سوقَيْ الإسكان والائتمان في هذا البلد في عام 2007. وبعد الانهيار في عام 1929، بدأت فترة مطوّلة من النمو المنخفض والبطالة العامّة. وانقلب ذلك حين دخلت البلاد في الحرب العالمية الثانية. فقد هيمن الاستثمار الحكومي، ما قاد إلى «اقتصاد حربي».
كانت الفترة القصيرة المُمتدة من عام 1945 حتى أواسط الستينيات استثنائية، فقد سُمِّيت بـ«العصر الذهبي» للرأسمالية. وتحقّق خلالها نمو جيّد، وكان التوظيف شبه كامل في الاقتصادات الرأسمالية المُتقدّمة. ودول عدّة كانت قادرة على تحقيق الرفاه وتقديم تعليم مجانيّ وخدمات صحية وبرامج إسكان حكومية ومعاشات تقاعدية مناسبة إلخ...

أزمات مولودة من تراجع الربحية
تعتمد صحّة الاقتصاد الرأسمالي على مصير ربحية رأس المال. في أوروبا في نهاية الحرب العالمية الثانية، وبنتيجة التدمير المادي لمعظم الآلات القديمة والمصانع وظهور عمالة هائلة برواتب متدنية، ارتفعت الربحية بشكل كبير. وحصلت أوروبا على ائتمان رخيص (وحتى مجاني) من الولايات المتّحدة. والأمر نفسه ينطبق على اليابان. أمّا في الولايات المتّحدة، فالتكنولوجيا اقترنت بالأرباح المُرتفعة والقوة العاملة العائدة لتحقيق النمو السريع. ومع التوظيف الكامل، كانت الحركة العمّالية قادرة على استخراج تنازلات اجتماعية من الطبقة الرأسمالية التي كانت قادرة على توفيرها.
ولكن مع مراكمة الرأسمالية لرأس المال، يمكن للربحية أن تنحدر، وأن تتشكّل الأزمات بوتيرة أكبر وأخطر. هذه هي نظرية ماركس للأزمات. وبالفعل في أواسط الستينيات، بدأت الربحية بالتراجع بشكل حادّ وصولاً إلى مطلع الثمانينيات. وضرب الركود في أواسط السبعينيات ومطلع الثمانينيات الوظائف الصناعية والحركة العمّالية التي كانت مُقيّدة ومهزومة. وكانت الرأسمالية قادرة على قلب معظم مكاسب «العصر الذهبي» باقتطاعات في الإنفاق العامّ والخصخصة وإلغاء جميع الضمانات والحماية للقوّة العاملة والعولمة. وهذا ما سُمّي بالفترة النيوليبرالية.

التوسّع النيوليبرالي والأمْوَلَة
غير أنّ الربحية بقيت منخفضة نسبياً في القطاعات الإنتاجية في الاقتصادات المتقدّمة. لذلك، نُقل رأس المال أكثر إلى القطاع المالي حيث يمكن جني أرباح أعلى (حتى لو ثبت في النهاية أنها زائفة). وتراجعت نسبة الاستثمارات المُنتجة من الناتج الإجمالي. وكانت «الأمولة» أحد عوارض العجز عن رفع ربحية رأس المال المُنتج.
في هذه الفترة، تراجعت الولايات المتّحدة نسبياً كقوّة اقتصادية. وفقدت حصّتها من الناتج الصناعي العالمي خلف ألمانيا الأولى، ومن ثمّ اليابان، وأخيراً الصين. وحتى في قطاعي الخدمات والتكنولوجيا بدأت الولايات المتّحدة تضعف. ولكنّها لا تزال تتمتّع بقطاع مالي هائل يتحكّم برأس المال المالي في أنحاء العالم. وهي حتى الآن أقوى قوّة عسكرية في العالم.
يمنح ذلك الولايات المتّحدة إمكانية تحقيق الهيمنة المستمرّة. غير أنّ الركود العالمي شكّل نهاية فترة «التجارة الحرّة» وعولمة رأس المال. واليوم تشتدّ الخصومات بين القوى الاقتصادية الكبرى لا سيّما بين الولايات المتّحدة والصين.
من المرجح أن تنجو الرأسمالية من الكساد الحالي. ففي الماضي، وجدت طريقاً للخروج طالما استطاعت استعادة معدّل أعلى من الربحية كما فعلت بعد الحرب العالمية الثانية وفي نهاية فترة الكساد في القرن التاسع عشر. ولكن هذا يعني تدمير المزيد من رأس المال الذي لم يعد يحقّق ربحاً. ويحتاج النظام إلى التخلّص من الكثير من الدين الذي تراكم في الكساد الطويل. وهذا يعني المزيد من التراجع في الفترة المقبلة على حساب الوظائف وسبل العيش.

الخروج من الكساد الطويل
إذا لم ينقلب العمّال على الرأسمالية ويستبدلونها بالاشتراكية، فإنّ النظام سيحظى بمدّة صلاحية جديدة. ويمكنه أن يبدأ الحصول على تقنيات جديدة مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء إلخ.. من أجل جني الأرباح. ويمكنه أيضاً أن يستغلّ مناطق جديدة في العالم لا تزال تضمّ عدداً كبيراً من اليد العاملة الرخيصة.
ولكن حتى لو حصل ذلك، لن تتمكّن الرأسمالية من حلّ مشاكلها بشكل نهائي. فهي ستواجه مشاكل أساسية في السنوات العشرين المقبلة. وثمّة تراجع طويل في نمو الإنتاجية: تُخفق الرأسمالية بشكل متزايد في توسيع قواها المنتجة لتأمين حاجات الناس.
يضاف إلى ذلك عدم المساواة على مستوى المداخيل والثروات الذي بلغ مستوى غير مسبوق منذ أن كتب ماركس «رأس المال». وهذا الأمر بدأ يزيد التوتّرات الاجتماعية ويضعف الحكم السياسي الرأسمالي الرئيسي ويغذّي الشعبوية. ومن ثمّ يأتي التغيّر المناخي والاحتباس الحراري اللذان يُهدّدان مستقبل الجنس البشري والكوكب خلال جيل من الآن.
يصبح من الصعب أكثر فأكثر على رأس المال أن يحصل على مدّة صلاحية إضافية. ففي العالم مناطق أقلّ ليستغّلها، وليست جزءاً من النظام الرأسمالي العالمي. كما أن قوة التغيير وحفّار قبر الرأسمالية أي الطبقة العاملة، لم يكونا يوماً أكبر ممّا هما عليه الآن على مستوى العالم. وهذا يعني أن الرأسمالية تقترب من انتهاء صلاحية استخدامها.

International Socialist Review
ترجمة: لمياء الساحلي