اعتمدت شركة فايسبوك مجموعة تعديلات طفيفة في الشكل، ولكن جوهرية من حيث تأثيرها في كيفية استخدامنا للمنصّة ودلالاتها على طبيعة الدور الذي يؤديه المستخدمون. أوّلاً، اعتُمِدت «أداة» تسهّل عملية الانتقال بين حساب وآخر من دون الحاجة للخروج من الشبكة، وبالتالي يمكننا الانتقال من حسابنا الشخصي إلى آخر مهني نديره خلال عملنا اليومي، أو حتى إذا كنّا نملك وسيلة تقنية واحدة (كالهاتف أو الكومبيوتر)، فيمكن بسهولة تشاركها للولوج إلى الشبكة. وأضافت المنصّة مفتاحاً جديداً سمّته «إنشاء»، ويهدف إلى تحفيز المستخدمين على إنشاء المزيد من المضمون (صفحة، إعلان، مجموعة نقاش... إلخ). هكذا، إذا استعدنا مجمل التعديلات التي قامت بها الشركة عبر السنوات الأخيرة، نلاحظ أن الهدف الأساس هو تحقيق زيادة المحتوى المُنتج على الشبكة (كمّاً ونوعاً). فهل منّا من يذكر كيف كان التواصل قبل أن تعتمد الشركة قرار الانتقال من أحادية التعبير على التعليقات عبر مفتاح الإعجاب (Like) إلى إتاحة فرصة التعبير المتنوّع عبر إضافة خمس صور رمزيّة (Emojis)، ما مكّن المستخدم من التعبير بحرّية أكثر عن المضمون، وفي الوقت نفسه، ساعد الشركة على تصنيف التفاعل مع المضمون (ستاتوس) وتبويبه. هذه العملية تحصل لمجمل المضمون المُنتج وتضاعف حجم المضمون الذي تبيعه الشركة لمعلنيها وتساهم في تعظيم القيمة التبادلية. الموضوع عينه ينسحب على إدخال ميزة إرسال تسجيلات صوتية في تطبيق الميسنجر أو حتى في تعديل إعلان الخصوصية بما يسمح للشركة تشغيل ميكروفون التلفون حتى أثناء عدم استعمال التطبيق، وذلك بهدف تسجيل الأحاديث وإعادة تبويبها بما يخدم فرصة بيعها للمعلنين على شاكلة بيانات مستهلكين. هنا لا بدّ من التذكير بأننا في تحليلنا لا نتطرق إلى موضوع الخصوصية أو التنصّت على المستخدمين لأسباب أمنية خاصّة، لأنه يحيدنا عن الهدف الأكبر للشركة، وهو توسيع أرباحها وتعظيم قيمتها التبادلية في السوق العالمية للإعلانات.


الآن، فلنعد قراءة علاقات الإنتاج التي تعتمدها الشركة لتحقيق أرباحها عبر بيع البيانات التي يُنتجها أكثر من ملياري مستخدم، والتي تشكّل السلعة الأساس التي تبيعها الشركة. ولنستخدم المعادلة العامة للتراكم الرأسمالي كما وضعها كارل ماركس منذ 150 عاماً في سبع صفحات من القسم الثاني من الجزء الأوّل لكتابه «رأس المال». ففي مطلع عام 2004، أطلق مارك زوكيربرغ فايسبوك كمنصّة تواصل داخلية لطلّاب جامعة هارفرد، ونجح في الحصول على الدفعة الأولى من الاستثمارات، التي بلغت نحو نصف مليون دولار أميركي. وقبل نهاية العام نفسه، أصبح هناك نحو مليون مستخدم على الشبكة في الولايات المتّحدة، وتوسّعت لتشمل طلّاب المدارس الثانوية الأميركية، وانتشرت خارجياً نحو الجامعات البريطانية في أيلول/ سبتمبر من عام 2005؛ وفي عام 2010 كان هناك نحو 500 مليون مستخدم في العالم، ووصلت قيمة الشركة السوقية إلى نحو 11.5 مليار دولار أميركي.
كأيّ رائد أعمال يسعى خلف توسيع هوامش أرباحه، نجح زوكيربرغ بتحويل المال الذي حصل عليه في انطلاقته إلى رأسمال عبر عملية التراكم. بنى وطوّر منصّته الإلكترونية، ووسّع من رقعة انتشارها، بالإضافة إلى تنويع الخدمات التي تقدّمها، بدءاً من الصور في عام 2005، إلى شريط الأحداث في عام 2007. كان الهدف تحقيق نمو متضخّم في عدد المستخدمين، بطريقة تمكّنه من تحقيق قيمة تبادلية أكبر (exchangeable value)، فيما كانت القيمة الاستخدامية (use value) قائمة أساساً على تقديم خدمة التواصل الاجتماعي بين الناس على اختلافاتهم السياسية والعرقية والدينية وتوزّعهم الجغرافي.
في عملية الإنتاج هذه يوجد المهندسون والتقنيون، المتعاقدون مباشرة مع فايسبوك، والذين يقومون ببناء المنصّة وصيانتها وتطويرها (من خلال برمجة خوارزميات الشبكة). وهؤلاء لا يؤدون فقط دوراً مساعداً في عملية السيطرة على العمّال أو تحسين الإنتاجية، كما يصفهم ماركس، بل تحوّلوا مع فايسبوك ونظيراتها (شركات التطبيقات) إلى شركاء في ملكية المنصّة عبر حصولهم (في المراحل الأولى تحديداً) على جزء من أسهم الشركة كمحفّز وكتكتيك يُعتمد للحدّ من الانتقالات التقنية بين الشركات. وهناك مستثمرو المخاطر، وهم الذين يمتلكون حصصاً من قيمة الشركة مقابل الأموال التي يخاطرون باستثمارها فيها بهدف تحويلها إلى رأسمال يُنتج قيمة مضافة. وهناك المستخدمون الذين يقومون بعملية الإنتاج الأولية للبيانات، والذين لا يجري تعويضهم مادّياً ولا يحصلون إلّا على أي قيمة رمزية تتمثّل بجعلهم يتواصلون مع الآخرين (كما يصفها كريستيان فوشس - 2014). وقد يمكننا الذهاب بعيداً في هذه الرمزية عبر القول: إن المستخدمين، من خلال اتصالهم بمنصّة فايسبوك، يحصلون على فرصة الاستفادة من كمٍّ هائل من المعلومات والمعطيات التي قد تساعدهم في اتخاذ قراراتهم على مختلف المستويات ومن دون أي مقابل، إلا أن الثابت أن هؤلاء المستخدمين أنفسهم يسهمون، بشكل جماعي، في إنتاج القيمة التبادلية لفايسبوك، والتي تمكّن الشركة من استخراج فائض قيمة (أرباح) تُقدّر بمليارات الدولارات. لا يتقاضى المستخدمون أي مقابل مادي لقاء عملهم، فما يحصلون عليها هو قيمة رمزية يقومون عبر استهلاكها بإعادة إنتاج وتطوير وتغذية آلية إنتاج القيمة التبادلية لفايسبوك في دائرة مغلقة يصعب كسرها، حتى بالخروج من شبكة فايسبوك. فهل يمكن أيّاً منّا تخيّل حياته اليوم من دون الاتصال بفايسبوك، ولو لوقت صغير؟ لفهم أكبر لدور المستخدمين، قام الباحث فوشس (2014) بالعودة إلى التفسير الماركسي لأشكال العمل المُنتج، الذي يتخطّى التعريف المحصور بالعمل المأجور، ويتضمّن ما يسمّيه ماركس العمّال الجماعيين collective workers، وهم فئة من العمّال، قد لا يتدخّلون مباشرة بعملية صناعة المُنتج، وبالتالي لا يجري تعويضهم عبر أجور مباشرة، ولكنّهم عبر أنشطتهم المُجتمعة (كالاتصال بالشبكة والكتابة والتعليق والتعبير عن الإعجاب والمشاركة بالمحادثات المباشرة وتحميل الصورة والفيديوهات كما في حالة فايسبوك) يقومون بإنتاج السلعة النهائية التي يجري بيعها، وبالتالي إن مجموع أنشطتهم يشكّل محدّداً أساسياً لحجم القيمة المُضافة التي تستخرجها الشركة.
هكذا، قام فوشس ليس فقط بتبيان طبيعة علاقات الإنتاج بين المستخدمين وفايسبوك، ولكنّه أيضاً كسر أسطورة منتقدي ماركس من باب وصفه بالاختزالي لعلاقات الاستغلال بالعلاقة الوظيفية المأجورة. فالعمل الجماعي كما يطرحه ماركس يتخطّى العمل المأجور ويدخل في صلب تفسير العمل المُنتج للقيمة المضافة وغير المأجور كمستخدمي فايسبوك أو ركّاب أوبر (إذا ما أردنا توسيع رقعة التحليل) أو حتى مشاهدي التلفاز وقرّاء الجرائد. هذا التحليل تدعمه بيانات عمليات الاستحواذ التي قامت بها فايسبوك، فحين اشترت إنستغرام في عام 2012 بنحو مليار دولار أميركي، كان عدد العاملين في إنستغرام لا يتخطّى 13 موظفاً، بينما وصل عدد مستخدميه إلى 30 مليوناً، ونجحت فايسبوك في ما بعد في رفعهم إلى نحو 600 مليون مستخدم. الأمر نفسه ينسحب على حالة الاستحواذ على واتساب في عام 2014 بمبلغ 15 مليار دولار، ففيما كان يعمل فيه 55 موظفاً مأجوراً فقط، كان يستخدمه نحو 500 مليون مستخدم بشكل يومي.
سيُقال الكثير عن انعدام وجود أي شكل من أشكال علاقات العمل المأجور بين فايسبوك ومستخدميها، وهذا ما يمكن مناقشته ودحضه كما حاولنا أعلاه، إلّا أن الأكيد أن فايسبوك تقدّم شكلاً مُستجدّاً من أشكال العمل غير المأجور، ولكنها تقوم كغيرها من الشركات باستغلال الطبقة العاملة لإنتاج فائض القيمة ومن دون حتى أي تعويض مالي. وهذا ما علينا معرفته في المرّة المقبلة التي نتصل بشبكة فايسبوك عبر حساباتنا، فنحن نقوم بعمل مُنتج مقابل «قيمة رمزية» ومن دون أجر، سمّتها فايسبوك التواصل الاجتماعي، بغية إنتاج سلعة تُدعى بيانات كبرى (Big Data) يجري بيعها في السوق العالمية للإعلانات، وتدرّ أرباحاً ضخمة على حملة الأسهم في شركة فايسبوك.

* باحث في اقتصاد المنصّات الإلكترونية