وفق مؤشر مؤسسة البحوث والاستشارات، ارتفعت الأسعار نحو 143% بين عامي 1996 و2017. في هذه الفترة، أي في غضون 21 عاماً، أقرّت الحكومة ثلاثة تعديلات على الأجور فقط: الأول في شكل سلفة مقطوعة بقيمة 200 ألف ليرة عام 2008، استفاد منها الأجراء والموظّفون النظاميون في القطاعين العام والخاص، والثاني في شكل زيادة غلاء معيشة عام 2012 استفاد منها أيضاً هؤلاء، والثالث في شكل سلسلة جديدة للرتب والرواتب عام 2017، اقتصر تطبيقها على أجراء الدولة وموظّفيها فقط.


ووفق تقدير أوّلي (كمال حمدان ــــ إشكالية الأجور في النمط اللبناني الليبرالي)، بلغ متوسط الزيادة الاسمية في أجر العاملين في القطاع العام نحو 100% منذ عام 1996 (مع تفاوت هذه النسبة وفق السلك والرتبة ونوع الصيغة التعاقدية)، بينما لم يتجاوز هذا المتوسّط 50% أو 60% لأجراء القطاع الخاص وموظّفيه. ما يعني أن الأجور خسرت قسماً كبيراً من قوتها الشرائية، من دون أن يجري تعويضها، ما انعكس تراجعاً كبيراً في حصة الأجور من مجمل الناتج المحلي (تقدّر حالياً بأقل من 25% بالمقارنة مع 35% في عام 1996 و55% في عام 1974)، وهذا يعبّر عن التحوّلات الجارفة التي يعيشها المجتمع اللبناني.
صدر آخر مرسوم لتصحيح الأجور في القطاع الخاص في عام 2012، وتمّ رفع الحد الأدنى للأجور إلى 675 ألف ليرة (448 دولاراً)، وهو أقل بقيمة 123 دولاراً مما اقترحه وزير العمل (آنذاك) شربل نحاس. جاء ذلك بناءً على ما سمّي "الاتفاق الرضائي" بين ممثلي قيادة الاتحاد العمالي العام وهيئات أصحاب العمل، والذي اقترن بتعهد يرمي الى إعادة النظر بالأجور سنوياً وفقاً لمؤشّر أسعار الإستهلاك، الذي تصدره إدارة الإحصاء المركزي دورياً. ولكن، على الرغم من مضي أكثر من 6 سنوات على صدور المرسوم، لم يجر طرح تصحيح الأجور مجدداً ولم يسع الاتحاد العمالي إلى الضغط على شركائه في "الاتفاق الرضائي" لتنفيذ تعهداتهم.
في الواقع، لا يعني تجميد الأجور أن قوّتها الشرائيّة تبقى جامدة، بل تستمر الأسعار بالارتفاع وتستنزف الأجور وتقلّص حصتها من مجمل الناتج المحلي لمصلحة زيادة الأرباح، وبالتالي زيادة مستوى اللامساواة في توزيع الدخل والثورة.
يُعد مؤشّر أسعار الإستهلاك أحد المؤشّرات التي تعطي صورة عن تطوّر أسعار السلع والخدمات. وتقوم إدارة الإحصاء المركزي بنشر أرقام هذا المؤشّر شهرياً، وفق عيّنة من السلع والخدمات، تعتبرها الأكثر استهلاكاً من جانب الأسر المقيمة في لبنان. وقد سجّل هذا المؤشر ارتفاعاً تراكمياً بنحو 21.42% منذ آخر تصحيح للأجور في القطاع الخاص. بمعنى آخر، تقلّصت القدرة الشرائيّة لأصحاب الدخل الثابت بهذه النسبة، أي أنّ سلّة استهلاك السلع والخدمات التي كانت تشتريها الأسرة بسعر 100 دولار في منتصف عام 2011 أصبحت تشتريها بسعر 121.5 دولاراً حالياً.
يعتمد هذا المؤشّر لقياس التغيّر في أسعار السوق على سلّة من السلع، مثل الغذاء والملبس والسكن والصحة والتعليم والنقل والإتصالات... وغيرها. وضمن هذا التبويب، يمكن رصد تطور الأسعار في كل باب من أبواب الإنفاق على حدة، وبالتالي فهم مكامن ارتفاع الأسعار ومصادره. فعلى سبيل المثال، شكّلت السلع المتعلّقة بالألبسة والأحذية مكمن الارتفاع الأبرز في الأسعار، إذ سجّلت ارتفاعاً بنسبة 53% بين عامي 2013 و2018، حيث شهدت طوال هذه السنوات ارتفاعات متتالية ودون انقطاع. كما سجّلت المواد الغذائيّة إرتفاعاً ملحوظاً (14%)، بينما ارتفعت أسعار المشروبات الروحيّة والتبغ بنسبة أكبر (48%). ومن أبواب الإنفاق التي سجّلت ارتفاعات مستمرّة على مدى السنوات السبع الماضية، هناك التعليم (39%) والمطاعم والفنادق (22%).
اللافت أنّ مؤشّر أسعار الاستهلاك نفسه شهد انكماشاً خلال عامَي 2015 و2016، قبل أن يعاود مساره باتجاه مستوياته المرتفعة اليوم. ويظهر من خلال التبويب أنّ جزءاً من الانخفاض في هاتين السنتين قاده انخفاض باب الإنفاق الذي يتضمّن أسعار المحروقات (مع الغاز والماء والكهرباء)، ويعود ذلك تحديداً إلى الانخفاض في أسعار النفط ومشتقاتها، مع العلم بأنّ هذا الباب يمثّل 25.7% كوزن من مؤشّر أسعار الاستهلاك، بينما يمثّل النقل 12%. لاحقاً، أدّى ارتفاع أسعار النفط إلى مستوياتها المرتفعة إلى إعادة مستوى المؤشّر في هذا الباب من الإنفاق إلى مستويات أعلى من السابق، ومعه مؤشّر أسعار الاستهلاك نفسه.
أخيراً، يظهر أن قطاع الاتصالات هو الوحيد الذي شهد مساراً انحدارياً، بسبب التخفيضات في التسعير (23%). أمّا باب الإنفاق على الصحّة، فسجّل ارتفاعاً بنسبة 6% خلال عامي 2017 و2018.
وفي المحصّلة، يظهر أن مؤشّر أسعار الاستهلاك لم يسجّل فقط ارتفاعاً بنسبة معتبرة خلال هذه السنوات، بل إنّ المكوّنات الحسّاسة فيه شهدت معدّلات الارتفاع الأهم والأكبر (المواد الغذائيّة، الملبس، التعليم... إلخ). بينما كانت الانخفاضات المحدودة نتيجة عوامل مؤقّتة فقط. لكنّ المشكلة الأكبر هي أنّ الأجور لم تتغيّر، وهو ما يعني تردّي قدرة أصحاب الأجر الثابت والمحدود على الإنفاق. وهنا يصبح تصحيح الأجور ضرورة.