يوسف شعبان كان الحدث أمس. لكن ذلك لم يمنع الإعلاميين، الذين عرفوا قضيته من روايات أمه، من التنصّت إليها تحدو منفردة: «صبر قلبي يا يوسف وما قصّر/ انحل حبل الجفا بعد ما تعسّر/ يا مهجة قلبي يا يوسف/ إلي زمان عَ هاليوم بتحسّر»


برج البراجنة ــ قاسم س. قاسم
جبيل ــ ربى الحلو
تقترب إحدى صديقات حنين، ابنة يوسف شعبان، منه. تعرّفه إلى نفسها، وتستأذنه بالسماح لها بتقبيله. لا يمانع، بل يشدّها إليه بترحيب. «أنا بحب التبويس» يقول ضاحكاً. يبتسم الحضور فيما يطبع شعبان ثلاث قبلات على خدّي الفتاة، فتبدأ ابنته بالتصفيق ويبدأ الحاضرون بالصفير.
هكذا استقبل أبناء مخيم برج البراجنة، أمس، يوسف شعبان في ساحة القدس. كانت الساعة السابعة إلا ربعاً عندما وصل موكب السيارات إلى المخيم. ساعات طويلة من الانتظار أمضاها أهله، الذين منّوا النفس بوصوله عند الظهر، ثم عند الساعة الخامسة بعد تأخّر الإفراج عنه. لكنّ الوقت الذي كان يمرّ بطيئاً، دفع بوالدته إلى التوجه إلى مقرّ الأمن العام في منطقة المتحف، محطة يوسف الأولى بعد خروجه من سجن جبيل، لرؤيته هناك.
يصل شعبان إلى ساحة القدس، فيركض مستقبلوه باتجاه سيارته. أغلبهم كان متحمساً لرؤيته بدافع الفضول للتعرّف إليه. ينزل الرجل من السيارة، فيُحمل على الأكتاف. يسيرون به قليلاً ليجد نفسه في ساحة الرقص، يتوسطها. يحمل علمَي لبنان وفلسطين ويرقص بهما.
عاد شعبان إلى مخيمه بعد 16 عاماً من السجن ليجد أنه «لم يتغيّر كثيراً، لكنّ محيط المخيم هو الذي تغيّر»، يقول في ردة فعل أولى على ما يراه. يسير في أزقة المخيم على وقع أغنية «ع الرابعية ع الرابعية رافعين الراس فلسطينية»، مصحوباً بالورود والأرز التي كانت تُرشّ عليه من البيوت. خلال سيره كان يتوقف قليلاً ليلقي التحية على كل من يسلّم عليه، ويعلّق حين يستدعي الأمر: «بعض الوجوه عرفتها وفي وجوه ما عرفتهاش». مع اقترابه من بيته، يطلّ برأسه من شباك أحد جيرانه ويحيّي أصحاب الدار ثم يكمل طريقه.
خلفه كانت تسير شقيقته نجاح شعبان التي لم تره منذ لحظة اعتقاله، تزغرد له. تعبّر عن إحباطها، فهي كما تقول «ما حضنتوا لسّا، شوف المحبين حواليه». تمرّ لحظات، يلتفت يوسف إلى شقيقته. يضمّها إليه، يقبّلها. لا يهنأ الرجل بعناق شقيقته كثيراً، يركض المصوّرون بكاميراتهم نحوه. يسرقون صورة، ويسرقونه من بين يدي شقيقته.
أما والدة يوسف، فكانت في عالم آخر، في عالم اسمه يوسف. «رجع يوسف للبيت، هادا كبير أولادي»، تقول بصوت متهدّج. يترقرق الدمع في عيني السيدة. تشكر الله «على عودة ولدي حيّاً». تضيف بعد أن تتمالك نفسها مستشهدةً بالآية القرآنية «قل ظهر الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا». تعلو صيحات التكبير بالقرب من منزل يوسف. تذبح 3 خراف تكريماً للرجل، تتوجه الوالدة إلى أشقائه بالكلام: «هو يلّي رح يوكل السودا، وإنتو رح تتفرجوا عليه». يصعد شعبان باتجاه منزله، تسبقه الوسائل الإعلامية إليه. ينظر إلى جدران المنزل، يعترف الرجل بحياء «تغيّر البيت قليلاً». تجلس والدته بقربه، وتطلب له كوب ماء، لكنها تشرب منه قبله. ثم تصرخ بعاطفة الأم رافضة أن يشرب من هذا الكوب، لأنّ «المي باردة وما بيسوى لحنجرتو».
يضحك الموجودون، يعلّق أحدهم «شوف ما أحلاها، هاي إم بتسوى الدني». يبستم يوسف، يضم والدته، يطبع قبلةً على رأسها، فتسرقه الوسائل الإعلامية مجدداً منها.
هكذا احتفل الجميع بإطلاق سراح يوسف شعبان. الشكر لرئيس الجمهورية ميشال سليمان يتكرّر، فيما يصفه يوسف بالبطل، «خصوصاً عندما أخد قراراً بإطلاق سراح فلسطيني بعفو خاص». ينادي لابنته، يتأملها ملياً، يضمّها إلى صدره. عندها تبدأ ابنته حنين بتعريفه إلى أصدقائها «اللي وقفوا جنبي»، كما تصفهم.
أما عندما يتاح لشعبان الحديث قليلاً إلى الإعلاميين، يتذكر الليالي الأخيرة له في سجن جبيل. يقول لـ«الأخبار» إنه لم ينم منذ ثلاثة أيام في انتظار هذه اللحظة. يكمل حديثه «يوجد في السجون اللبنانية أكثر من يوسف شعبان واحد».
إذاً، عاد يوسف إلى ابنته التي «ما رح إتركوا للحظة، هادا رفيقي الجديد»، كما تقول، وزوجته التي «ما عارفة شو حاسة» وهي تحاول أن تصف شعورها، ووالدة عادت اليها أمومتها بعد أن عاد إليها أكبر أولادها. تترك يوسف مشغولاً بمحبيه الذين حضروا لاستقباله، بينما تسمع والدته تهزج بانفراد وهي تقول «صبر قلبي يا يوسف وما قصّر/ انحل حبل الجفا بعد ما تعسّر/ يا مهجة قلبي يا يوسف إلي زمان على هاليوم بتحسّر».
قبل المخيم، كان الانتظار في سجن جبيل حيث كان يتوقع الإفراح عنه يوم السبت الفائت، إثر صدور قرار العفو عنه من قبل رئيس الجمهورية. غير أن الروتين الإداري والإجراءات القانونية الخاصة أجّلت الإفراج عنه حتى يوم أمس، حين حضرت محامية الدفاع عنه ميّ الخنسا وبرفقتها قرار العفو الذي قدّمته إلى سريّة مخفر جبيل.
هناك انضم الصحافيون إلى شقيقه إبراهيم ومحاميته مي الخنسا. تمرّ ساعات انتظار الصحافيين ثقيلة للغاية وهم يقارنون ثقل الساعات بثقل السنوات. إبراهيم ألهى نفسه بالردّ على الهاتف حيناً وعلى الأسئلة الصحافية الكثيرة حيناً آخر. يقول: «شعور لا يمكن وصفه. فرحة حصول شقيقي على عفو خاص من قبل رئيس الجمهورية مشكوراً، هذا القرار ردّ القليل من اعتباره وأظهر الظلم الذي لحق به. إنها خطوة جريئة من القضاء اللبناني لا يمكن لعائلتي أن تعبّر كفايةً عن فرحها».
بدورها، شكرت المحامية الخنسا الإعلام الذي أدى دوراً أساسياً في قضية شعبان التي عملت عليها ثماني سنوات دون انقطاع، كما نوّهت بدور الرئيس ميشال سليمان في هذه البادرة التاريخية وبمساعي وزير العدل، وقالت: «تحدث الأخطاء في مجال القضاء عالمياً حيث تعاد المحاكمات، غير أن قرارت المجلس العدلي اللبناني تعدّ مبرمة ولا مجال للمراجعة فيها، لذا كان العمل على هذا الملف شاقاً للغاية». وأضافت «لن يُرحّل موكلي في ظلّ وجود قرار بعدم سفره، لكونه من فلسطينيي عام 1948».
خلال هذا الوقت، كانت العيون مسمّرة على الباب الحديدي. لحظات سريعة جعلت من خروجه قياسياً، نظراً إلى الترتيبات الأمنية المرافقة له وللأعوام الـ16 التي قضاها في السجن بريئاً. يخرج مكبّل اليدين ومحاطاً برجال الأمن الذين أخذوه إلى محطته ما قبل الأخيرة في مبنى الأمن العام في المتحف، من أجل تحقيق روتيني للتأكد من أنه ليس مطلوباً بأي جرم آخر، ولكونه أجنبياً من فلسطينيي عام 1948. هناك أخلي سبيله وتوجه من بعدها إلى منزل العائلة في برج البراجنة.
يذكر أنه كان قد ألقي القبض على شعبان عام 1994 بعد اتهامه باغتيال المستشار الأول في السفارة الأردنية في لبنان نايب عمران المعايطة. وقد أدان المجلس العدلي شعبان وصدر بحقه حكماً بالإعدام، ما لبث أن خفّف إلى السجن المؤبد. لكن على الرغم من إقفال ملف هذه القضية في لبنان، استمر التحقيق في الأردن، حيث ألقي القبض على جمال درويش الفطاير الذي اعترف بمسؤوليته عن الجريمة مع ثلاثة آخرين، وأُعدموا في عامي 2002 و2003.
وكان شعبان قد حلّ مساء أمس ضيفاً على برنامج كلام الناس، حيث استعاد ووالدته ومحاميته تفاصيل قضيته.



نجار: لنظرة إنسانية شاملة

بعد صدور العفو الرئاسي عن يوسف شعبان، الذي كان قد صدر بحقه حكم إعدام عام 1994 خُفض إلى السجن المؤبد (وكان المحقق العدلي يومها القاضي سعيد ميرزا)، قال وزير العدل إبراهيم نجار: «مبدئياً، العفو الخاص هو ميزة يتميّز بها رئيس الجمهورية، ويعود عهد ذلك الحق إلى أقدم العهود في الرئاسة اللبنانية». وأوضح أن «العفو الخاص لا يعني أن القضاء اللبناني أساء التدبير أو أن الرئيس ذهب في اتجاه معاكس للقضاء، وبالتالي تبقى المفاعيل غير المتصلة بالعقوبة قائمة»، لافتاً إلى أن «العفو الخاص يشمل القضية المحكوم فيها فقط». واستطرد الوزير نجار فأوضح أنّ «علينا توخّي شيئين: أولاً يجب أن يكون لدينا حزم قضائي والإسراع في الدعوى والجدية الكاملة والفاعلية اللازمة للصفة القضائية، ويجب أن تكون لدينا نظرة إنسانية شاملة، وأن يتحلّى القضاء بطابع إنساني واضح». من جهة ثانية هنّأ «مركز التنمية الإنسانية» في بيان له، أمس، شعبان بالعفو، متمنياً «أن تسود عهد الرئيس سليمان دائماً مبادئ الحق والعدل والحرية».