صنعاء | يبدو أن انخفاض حدة الضجيج الذي رافق مراحل توقيع الرئيس علي عبد الله صالح على المبادرة الخليجية قد سمح للمتابعين بالانتباه إلى أن هناك حرباً دائرة في شمال البلاد بين جماعة الحوثي وبين جماعة السلفيين المقيمين في منطقة دماج (شمال صعدة)، وأنها قد تؤدي في حال عدم تطويقها سريعاً الى حرب طائفية لن يكون بالإمكان محاصرتها بسهولة. وكان بالإمكان تلمس درجة الاحتقان التي وصلت بين الطرفين، في مؤتمر صحافي عقده عدد من الصحافيين في مقر نقابتهم بصنعاء صباح السبت الفائت إلى قول شهادتهم الخاصة بزيارتهم لمنطقة دماج تلك. اذ إن التفاصيل التي تم سردها، أظهرت بوضوح أن هؤلاء الصحافيين ينقلون وجهة نظر واحدة تصب في مصلحة السلفيين وتؤكد وجود «حصار خانق يعاني منه أهالي المنطقة منذ سبعة أسابيع من قبل الحوثيين الذين يمنعون دخول الطعام والدواء».


وهو ما دفع أحد الحاضرين من أنصار الحوثي إلى الرد رافضاً مثل هذا الحديث، وأتبع ذلك بتوزيعه بياناً موقعاً من أبو مالك الفيشي، وهو عضو المكتب السياسي للحوثيين، جاء فيه أن هناك من يحاول إشغال شباب الثورة بقضايا ثانوية لإبعادهم عن متابعة وتحقيق أهداف الثورة وإفشال استمرارية الحراك الثوري بإثارة المشاكل داخل الساحات في قضية مفتعلة يقف وراءها النظام ليتمكن من تمرير هذه المبادرة (الخليجية) الخطيرة التي تم توقيعها في الرياض». وأكد عضو المكتب السياسي للحوثيين أن محافظة صعدة مفتوحة لمن يريد معرفة الحقيقة ومشاهدة ما يجري على أرض الواقع.
لكن أمر التصعيد الإعلامي لم يتوقف عند هذا الحد، بل تزايد على نفس وتيرة القتال الدائر على الأرض، وذلك بعدما توعد سلفيو اليمن، خلال مؤتمر عُقد الاربعاء تحت شعار «نصرة المظلومين في دماج»، الحوثيين بالدفاع عن أنفسهم بكل الطرق المشروعة التي كفلتها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية في حالة استمرار الحصار والعقاب الجماعي المفروض على دماج، متهمين الحوثيين بالسعي الى «اقامة دولة شيعية في شمال اليمن وجنوب السعودية».
وفتح التوتر الأخير بين الحوثيين والسلفيين المجال أمام عودة الحديث عن موضع جماعة الحوثي في خريطة اليمن خلال المرحلة المقبلة، ولا سيما بعدما أعلنوا رفضهم للتوقيع على المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية، التي تتضمن سير الحياة السياسية في البلاد لفترة السنتين الآتيتين بقيادة حكومة ترأسها المعارضة.
فالحوثيون، نزلوا إلى ساحة الثورة وشاركوا فيها منذ بدايتها ولم يكن في رأسهم سوى هدف واحد هو التخلص من النظام بكل مكوناته. ومن أجل هذا تنازلوا، ولو مؤقتاً، عن شعارهم الشهير «الموت لأميركا الموت لإسرائيل»، ليهتفوا «الشعب يريد إسقاط النظام». وهو نفس النظام الذي كان يقف على رأسه (في بداية الاحتجاجات) علي عبد الله صالح وأقاربه وأولهم علي محسن الأحمر، وهما من قادا حروب صعدة الستة ضد الحوثيين.
لكن قواعد اللعبة تغيرت جذرياً عندما أعلن خصمهم الأبرز اللواء علي محسن الأحمر انشقاقه عن النظام وانضمامه لـ«الثورة الشبابية الشعبية السلمية» غداة المجزرة التي ارتكبها عناصر تابعون لنظام صالح في «ساحة التغيير» في صنعاء في شهر آذار من هذا العام. انضمام لم يمنع الحوثيين من نسيان الماضي و«العضّ» على جراحهم. وبحسب الناطق الرسمي للجماعة محمد عبد السلام، فإن موقف الجماعة لم يتغير من علي محسن الأحمر حتى بعد إعلان انضمامه وتأييده للثورة، لافتاً في حديث لـ«الأخبار» إلى أنهم طالبوا علي محسن «بتقديم اعتذار لأبناء المحافظات الشمالية عما بدر منه يوم كان يداً إجرامية لنظام علي عبد الله صالح، فدوره كان القائد الفعلي والمباشر للحرب وقد خلفت الحرب الكثير من المخلفات الهائلة من قتل وتشريد وتعذيب ومفقودين ومعتقلين ودمار وفصل موظفين ومصادرة حريات إلى غيرها من الأمور الكثيرة والتي لا مجال لحصرها».
لكن علي محسن تأخر في تلبية مطلب الحوثيين، حتى أنه لم يعلنه صراحة في ما يخص حروب صعدة الستة حينما وجه خطاباً عشية عيد الأضحى الفائت أكد فيه أنه مستعد للمحاكمة في ساحة الثورة عن كل ما حدث طوال مشاركته الحكم مع صالح. لكن أيضاً يبدو أن هذه المحاكمة لن تتم، بعدما تم التوقيع على المبادرة الخليجية وتبين بقاء اللواء علي محسن الأحمر في موقعه ولو على المدى الزمني المنظور على خريطة العامين المقبلة، وهما مدة الفترة الانتقالية، ما جعل الحوثيين يعتبرون أن أدوات اللعبة عادت مجدداً.
لكن لا يبدو الأمر كذلك للكاتب علوي حسين، الذي تابع مسيرة الحوثيين منذ الأيام الأولى لانضمامهم لصف الثورة، مشيراً إلى أنه منذ تقدم الثورة في طريقها وبيان استحالة استمرار صالح في الحكم وأنه سيرحل آجلاً أو عاجلاً، رأى الحوثيون أن عليهم التفكير والإعداد جيداً للأيام المقبلة، أي «الالتفات لعدوهم الأبرز علي محسن الأحمر ومعه حزب التجمع اليمني للإصلاح». وأعرب حسين في حديث لـ«الأخبار» عن اعتقاده بأن الحوثيين كانوا قد بدأوا ذلك الاستعداد المبكر من خلال اتجاههم ناحية محافظة الجوف من أجل السيطرة عليها بعد انسحاب القوات التابعة لصالح من معسكرها فجأة تاركين خلفهم ترسانة من السلاح والمعدات العسكرية خشية أن تقع في أيدي العناصر التابعين لحزب الإصلاح والمسيطرين على المنطقة.
وتحدث حسين عن «أن هناك معلومات مؤكدة تشير إلى أن انسحاب قوات صالح من ذلك المعسكر قد تم بتنسيق بين جهاز الأمن القومي وبين الحوثيين من أجل قلب أدوات اللعبة برمتها ووضع الحوثيين في مواجهة حزب الإصلاح من جهة واللواء محسن الأحمر الموالي له من جهة أخرى». وهو الأمر الذي نفاه الناطق باسم المكتب الإعلامي للحوثي محمد عبد السلام، الذي قال إنه لا صحة لوجود تنسيق بينهم وبين جهات أمنية لا في أحداث الجوف ولا في غيرها. وأضاف «أن من يردد مثل هذا الكلام إنما يحاول أن يجد مبرراً ومخرجاً للتحالفات السابقة واللاحقة لبعض القوى المحلية والمدعومة خارجياً ضدنا لكي يقدم نفسه اليوم على أنه غير مسؤول عن عدوانه علينا وكذلك الحال بالنسبة للاعتداءات في المحافظات الجنوبية».
أما في ما يخص علاقة الجماعة المستقبلية بحزب الإصلاح، فقد أكد عبد السلام أن المهم أن يكون هناك توافق وشراكة وتعايش في البلاد لما فيه خير اليمن، مشيراً إلى أنهم لا يرون أي عوائق «في التعامل مع الإخوة في حزب الإصلاح انطلاقاً من هذه الأسس، ونعتقد أن مستقبل البلاد يحتاج إلى توافق شعبي عام بين كل القوى الوطنية وحل كافة الإشكالات التي خلفها النظام المجرم».
وعلى نفس اتجاه ربط الصلات وتنسيق الخطوات بينهم وبين مختلف الحركات المتواجدة على الساحة السياسية اليوم في اليمن، وخاصة من لها ثقل كبير وسيكون لها تأثير في تحديد مرحلة مابعد صالح، ذهب الحوثيون وبصمت للتنسيق مع قيادة الحراك الجنوبي وعلى وجه الخصوص تيار القيادي الاشتراكي السابق حسن باعوم، الذي كان من أوائل رافعي شعار «تقرير المصير»، على أنه حق مشروع لأبناء الجنوب اليمني وفك الارتباط عن نظام الشمال. وقد اتضح هذا التنسيق قبل نحو ثلاثة أشهر من خلال عملية توقيف استهدفت فادي باعوم، نجل حسن باعوم، في منطقة الجوف أثناء عودته من محافظة صعدة بعد لقاء جمعه مع عبد الملك الحوثي، وكان قد اُعلن أن ذلك الإيقاف قد تم عن طريق السلطة ليتضح لاحقاً انه قد حصل على إيدي عناصر تابعين لحزب الإصلاح رغبوا في استفساره عن تفاصيل اللقاء الذي جمعه بالحوثي.
ويقول الباحث أحمد صالح إن هذه الواقعة قد كشفت أن هناك تنسيقاً على درجة رفيعة، ومن وقت سابق، بين قيادة الجماعة وبين تيار الحراك الجنوبي عن طريق زيارات متبادلة بين الطرفين. لكن صالح يضيف في حديث لـ«الأخبار» إن «هذا التنسيق لا يبتعد عن كونه تنسيقاً بين طرفين جريحين خصمهما مشترك وهو نظام صالح، وهو بالتالي نوع من تضامن ضحايا وجدوا الفرصة سانحة لأخذ حقهم من الطرف الذي تسبب في معاناتهم».
وعن مستقبل مثل هذا التنسيق، رأى صالح أن رحيل النظام الحاكم سيوقف هذا التنسيق لأنهما سيجدان في هذا الرحيل فرصة للدفع نحو طلب الحكم الذاتي كل على مساحته التي يقيم عليها اليوم «وذلك بالنظر للاعتقاد السائد لدى كليهما بأنهما لا يتوافقان كثيراً مع النسيج العام للتركيبة الاجتماعية والسياسية السائدة، أو على الأقل فإنهما سيطلبان مساحة من الوقت كي يدرسا الصيغ الملائمة التي يمكن على أساسها تحقيق العيش المشترك مع المناطق اليمنية الأخرى من غير أن يمس هذا بحقوق كل طرف وأهمها الثروات النفطية بالنسبة لأصحاب شعار فك الارتباط».
لكن الباحث علي المؤيد يرى أن مثل هذا الطرح قد يبدو مجافياً لما هو موجود فعلاً على الأرض، وتحديداً في ما يخص الحوثيين والحديث عن رغبتهم في تحقيق حكم ذاتي، اذ أكد لـ«الأخبار» أن «كافة المعطيات القائمة حالياً وحقيقة أنهم يحكمون اليوم فعلياً منطقة صعدة بما لديهم من قوة، والتفكك الظاهر في عرى الدولة يمكنهم بسهولة من إعلان هذا الحكم الذاتي، لكني أعتقد أنهم لا يسعون إليه».




الحوثي: مشكلة دماج ليس طائفية

أصدر أمس المكتب الاعلامي لزعيم جماعة أنصار الله، عبد الملك الحوثي بياناً رد فيه على ما ورد في مؤتمر «نصرة المظلومين في دماج»، وتحديداً في ما يتعلق بالاتهامات التي طاولت الحوثيين في ما يتعلق بالممارسات الطائفية و«النعرات الجاهلية». وأكد البيان أن «من يمارسون النشاط الطائفي ويدعون إليه ويحرضون على الفتنة المذهبية والطائفية وينشرون فتاوى التكفير ضد كل من يخالفهم في الرأي أو في الفكر هم أصحاب مركز دماج ومن يقف خلفهم». وشدد البيان على أن «المشكلة القائمة في دماج ليس لها أي بعد طائفي ولا مذهبي». كذلك دعا الحوثي في البيان «كل حريص على حل الإشكال القائم إلى تشكيل لجنة منصفه همها إيجاد الحلول العادلة وتكفل التعايش السلمي بين الجميع»، مذكراً بوجود «اتفاق قد تم التوقيع عليه بيننا وبين أولئك، ونحن مرحبون بكل خطوة تساهم في إرساء السلام وتكفل الحقوق وتعيد الوضع كما كان عليه».
(الأخبار)