قبيل مصادقة بلاده على صفقة تطوير غاز البصرة، قلّل نائب رئيس الوزراء العراقي حسين الشهرستاني من أهمية حملة جمع التواقيع التي قام بها ناشطون عراقيون معارضون للصفقة المنوي المصادقة النهائية عليها قريباً، موضحاً أن تلك الانتقادات «مبالغ فيها». وقال الشهرستاني، رداً على الحملة التي خاضها الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي، «كنّا قد توقفنا عند هذا الموضوع قبل فترة، مسجلين العديد من المآخذ والسلبيات على تلك الصفقة».

ويلاحظ محللون متخصصون بالشأن النفطي أنّ المسؤول العراقي يعترف ضمناً بالمأخذ الأخطر والأكبر في هذه الصفقة والمتعلق بعائدات الجانب العراقي منها. فتلك العائدات «ستتآكل» باعتراف الوزير العراقي حرفياً، بفعل بيع الغاز المستخرج بالأسعار المحلية والمدعومة حكومياً.
إنّ خسائر العراق، كما أكد الوزير، ستبلغ 20 مليار دولار إذا ما قرر بيع الغاز داخلياً مدعوماً، وهو المبلغ نفسه تقريباً أو أقل منه بقليل، الذي سيكون أرباحاً صافية للجانب الأجنبي ممثلاً بشركتي شل البريطانية الهولندية ومتسوبيشي اليابانية. لكن الوزير يرمي بمسؤولية هذه الخسائر الهائلة على كاهل الطرف السياسي العراقي وليس على وزارة النفط التي يشرف عليها أو لجنة شؤون الطاقة التي يرأسها.
الشهرستاني يشير إلى أن مثل هذا القرار ينطوي على أبعاد سياسية واقتصادية لا علاقة لوزارة النفط أو الشركة المستحدثة بها، معترفاً بأن قيمة العقد ممثلة برأسمال الشركة المشتركة بين الطرفين العراقي والأجنبي قفزت إلى 12 ملياراً، يحوز العراق على نسبة 51 في المئة منها. لكنه لا يعلق على انعدام أية أهمية لهذه الغلبة في رأسمال الشركة المشتركة والصفقة ككل، حين يكون العراق مساوياً لشركة متسوبيشي التي تحوز خمسة في المئة فقط من قيمة العقد. «إذْ إنّ عملية التقرير في القضايا جميعاً ستكون بالإجماع».
مأخذ مهم آخر في الصفقة، سكت عنه الشهرستاني أيضاً، ويلخّصه السؤال التالي: لماذا، وكيف حصلت شركة «شل» على هذا العقد دون سواها، ولماذا لم تُجرَ مناقصة تنافسية لهذا المشروع؟ لقد قيل قبلاً، إنّ شركات أخرى «عزفت عن التقدم للمنافسة على هذه الصفقة»، وهنا يتساءل مراقبون: لكن كيف «تعزف» الشركات عن مناقصة تنافسية لم تُجرَ أصلاً ولم تعلن في الصحف المحلية أو الأجنبية؟
من حسنات وإيجابيات الصفقة التي يبرزها نائب رئيس الوزراء العراقي، ارتفاع العائد الضريبي من منتجات الشركة المشتركة. على هذه «الإيجابية» يعلق أحد المحللين المتخصصين بالقول «هذه هي المرة الأولى التي يحتسب الطرفُ صاحبُ الأرضِ والثروةِ الضرائبَ جزءاً من أرباح صفقة تجارية بين طرفين أجنبي ومحلي». وفي باب تعداد الحسنات، يذكر الشهرستاني «أنّ حصة العراق من هذه الشراكة تتمثل بالإسهام من خلال المعدات الموجودة وغالبيتها متقادمة». وهذا مثال واضح آخر، حسبما يرى مراقبون، على ضعف الحجة. فحين يعز الدليل يبحث المرء عن بديله في قِدَمِ المعدات أو نسبة الضرائب. وثمة نوع آخر من التشويش يخلفه، قول الشهرستاني «إن عقد الشراكة المبرم مع كبرى الشركات العالمية المتخصصة لا يهدف إلى استثمار حقول نفطية أو غاز، بل القيام بنشاط تحويلي لوقف حرق الغاز ومعاملته وتسليمه للعراق». وهنا، ليس من الدقيق قول الشهرستاني «إنّ المنتج سيسلم للعراق»، بما يوحي وكأنّ العراق هو الرابح الوحيد أو المالك الوحيد لهذا المنتج فيما هو يحوز نصفه. أما قوله إنّ «هذه الشراكة تهدف إلى استثمار الغاز المصاحب لاستخراج النفط الذي كان يُحرق ويذهب هدراً، لأنّ الجهد العراقي لم يتمكن من الاستفادة منه برغم ما بذله بهذا الشأن»، فهو يحمِّل الكادر العراقي مسؤولية هدر الغاز. والتقرير الإخباري يقول صراحة إن الشهرستاني «أشار إلى أن الكوادر العراقية لم تتمكن من وقف الهدر في هذه الثروة الطبيعية المهمة على مدى عشرات السنين». وأكد أنّ «البلاد ستحقق فوائد جمة من جراء ذلك العقد».
الواقع أن المسؤول العراقي ينقل المواجهة إلى ساحة أخرى ليست هي الساحة الحقيقية. إنه يصوّر الأمر وكأنه مواجهة بين مَن يريد أنْ يستثمر غازاً طبيعياً يحترق ويُهدر منذ عقود فيحصل على نصف الأرباح، وبين من لا يريد ذلك، بل يريد استمرار هدر وإحراق هذه الثروة الثمينة.
وكما أكد باحثون متخصصون وناشطون سياسيون، فإن المطلوب هو استثمار هذه الثروة، لكن بأيدي الكوادر العراقية وبمساعدة شركات أجنبية متخصصة في مجال الغاز، وبموجب عقود خدمات فنية لا بموجب عقود مناصفة مريبة كهذه. إنّ الشهرستاني، كما يبدو من تصريحاته الأخيرة، يختصر الموضوع بالخيار التالي: إما أنْ يستمر احتراق الغاز العراقي ويذهب هدراً أو أنْ نتناصفه مع شركتي شل ومتسوبيشي.