I

إنها نهاية فيلم مصري.
عصابة حكمت وتحكّمت، تضخّمت في سلطتها وجبروتها وثروتها، وفي عزّ تحكّمها، تأتي لحظة الذروة. تتساقط العصابة وتساق الى الزنازين. مشهد يكاد يتطابق مع النفسية المصرية، لا نهاية دموية مثل تشاوشيسكو، ولا مطاردة عابرة الحدود كما حدث مع شاه إيران، نهاية تشبه هزّات الطبيعة، التراجيديا من داخلها لا من بشاعة الحدث أو مدى عنفه.
الثورة سارت بطريقة لم تخطّط لها، وبأسلوب استفادت به من غياب الرأس الواحد، وتكوّن جسدها الضخم، الفاتن بروحه العالية، المتشبثة الى آخر مدى، بالانتصار.
جسد الثورة يضغط، فتنفصل الشبكات القديمة، هكذا في لحظة الانتصار الأولى (التنحّي): اختار الجيش الثورة بعدما شعر بخطر الرئيس السابق حسني مبارك على البلد كلها.
وفي لحظة الانتصار الثانية (المحاكمة): استجاب الجيش للثورة عندما شعر بخطورة مبارك وعصابته على وجود الجنرالات والمؤسسة العسكرية.
الثورة بروحها اليقظة حققت ما كانت تظنّ أنّه «مستحيل». الروح هنا مفارقة للوعي المحبوس طويلاً في زنزانة. الوعي السياسي عانى طويلاً من قدر الغرف المغلقة، بينما الروح خرجت في ميدان مفتوح، ومن هنا الصراع حول الميدان.
الجيش يدرك بغريزته السياسية، أن الميدان هو مركز رمزي لهذه الروح، ومنها تستمدّ الثورة قوامها بما هي قوة تتوازن مع قوة الجيش وتلغي انفراده (الأبوي) بالمرحلة الانتقالية. الجيش استعاد الميدان بعد مشاركة من «الشعب» ومع نشر عناصر قوة 777 في الصرة، رفع لافتات تحمل شعارات «الشعب والجيش يد واحدة».
انتقال لافت للنداء، الجيش هو الذي يرفع الشعار وليس الشعب، وبعدما كان الشعار يتضمّن استجداءً لمناصرة الجيش للشعب، ها هو الجيش يطلب بوضوح ترميم العلاقة، أو تصحيح مسارها، لكي لا يصبح طرفاً في عملية تحطيم أصنام مبارك.
الترميم محاولة لاستعادة قدرات مفقودة في السيطرة، أو فرض المزاج العسكري المحافظ على إيقاع الثورة، كذلك هي استعادة لزهوة أسطورة الجيش عند قطاع عريض من المصريين، الذين اعتادوا وضع الجيش في برج عاجي، كرّسه واقع اصطفافه في لحظة ما إلى جانب الثورة، قبل أن تبدأ الشكوك حول دوره في المرحلة الأخيرة.
الجيش ليس راديكالياً في مواجهة البناء المحافظ للدولة المصرية، ولا يسعى الى إحداث تغيير جذري في مدينتها، كل طموحه هو وضع نظام ديموقراطي للانتخابات، بمعنى يرى الديموقراطية مجرد حرية تصويت وصناديق شفافة، وليس بناءً جديداً يقوم على تحرير الدولة وتحديثها.
النقلة الكبري في ترميم الأسطورة هي اصطياد مبارك وعصابته في المزرعة.
II
مبارك اختار من الأقزام كهنته، وها هم يجتمعون في السجن المسمّى المزرعة، في منطقة طرة، على طريقة عكسية تماماً لما كان يغنّيه الشيخ إمام عن تجمع العشاق في سجن القلعة. العشاق تجمعوا طلباً للحرية، وضد قهر السلطة، أما اليوم فالمزرعة مكان للعصابة، التي تضخم أقزامها بعد أكبر عملية تصحير للحياة السياسية.
نمت أحجام الأقزام، في هذه الصحراء الشاسعة، وبدت المعارضة مجرد نباتات صحراوية، تبحث عن مياه جوفية، وتقاوم وحيدة، منفردة. مبارك انتهى وفي غرفة حبس طبية؟ مشهد فوق الخيال. مبارك دخل التاريخ من بوابة مختلفة. هو ونظامه كله في السجن، وبالقانون العادي، الذي طالما شكّل جدار حماية، وأمان، لمن اقترب من الرئيس وقصره وحاشيته، وبالطبع عائلته.
الدراما أعلى مما يمكن حبسه في خيال التشفّي، أو الانتقام. عائلة ساقتها شهوة الحكم والثروة والخلود، تعيش خلودها على ضفة غير التي هندستها لتكون «منتجع سلطة لا حدود لها».
المنتجع كان صرحاً من خيال مبارك، وذروة لمشاعر بالفضل على البلد، وانتظار «الامتنان... والشكر والإحساس بالجميل». الديكتاتور في برجه، يتعامل مع شعب افتراضي، والنظام تتحوّل مهمّته الى ترويض الشعب على مقاس خيال الساكن في البرج.
خيال مبارك محدود، يرى العالم من ثقب باب كابينه في سفينة غارقة، أحلامه لا تتعدى الطفو على الماء، ونظامه معدوم الكفاءة إلا في ما يتعلق بالسيطرة والترويض. مبارك أنقذ مصر من وجهة نظره، وتركها صحراء وسطها منتجعات، وفي قلبها برج عال، يحميه أقزام بشهواتهم وقدرتهم على نشر الخوف والرعب، ليتصوّر الشعب أنهم آلهة، يحرّكون جيشاً من الأرواح الشريرة.
مبارك حكم بخياله المريض، ليرى الشعب عبيداً لا يعترفون بالجميل… ولا بخدماته.

III
الثورة انفجرت في قلب صحراء بنحو ما، وكشفت عمق الكارثة.
نظام مبارك أقزام وليسوا آلهة، ولا سياسة في مصر سوى جسارة كبرت إلى أن أصبحت «ثورة حياة أو موت». غياب مبارك خلف ستار الغرفة المغلقة، نتج منه فراغ كبير عند عباد الديكتاتور وضحاياه، العبيد يبحثون عن ديكتاتور جديد، ويمنحون الجيش صك ألوهية لا تناقش. وفي المقابل، الثوريون اكتشفوا السياسة في الميدان، ومعه توق وجودي الى ثورة لا تنتهي، ويشحنون «حالة الميدان» لتدخل الى حالة دائمة، خوفاً من الرجوع الى حالة «ما قبل الثورة».
فوضوية ثورية تلهث وراء سؤال يتكرر: ما العمل؟ لا تقبل الفوضوية بنصف إجابة، ولا تبني على نصف الخطوة، إنها حالة مطلقة، لا تهادن مع الظروف ولا صراع القوي، وتمنح بطيفها الواسع، نوعاً من البرودة، والعفوية، تتصادم أحياناً مع العقل أو الخبرة السياسية.
الصدام يصنع عملية فرز جديدة على السياسة في مصر، آلاف يدخلون المسرح بفوضوية تحطيم الآلهة، بينما العقلاء والحكماء يعتمدون خطاباً براغماتياً، يحافظ على إله لاستخدامه في التخلص من باقي الآلهة.
الجيش دخل المعركة الى آخرها، كان الإله الذي راهنت عليه براغماتية الحكماء، وهرب منه نقاء الفوضوية، وكسرته مع باقي الآلهة. هنا نحن في لحظة صمت: الجيش أزاح الآلهة وقادهم الى المزرعة، لكنه لم يعد الى الميدان بأسطورته الاولى، انها لحظة تكوّن، يشترك فيها كل العناصر: عبيد الديكتاتور، بعاطفيتهم المترهلة، والفوضويون بشحناتهم المطلقة، والحكماء بارتباكهم في لحظات الحسم…
تشترك كل هذه العناصر في اعادة تخصيب أرض السياسة.
عملية ليست سهلة، ولا حتى بعد اصطياد الأقزام الذين تحوّلوا الى آلهة.
جمهور واسع من الثورة تحوّل الى متفرجين على المشهد، يحاولون الإنصات بفضول الى الحوارات الدائرة بين الزنازين، ماذا يقولون، كيف ينظرون الى ما حدث؟ كيف يأكلون؟ هل يرتدون بدلات الرياضة البيضاء وفق مقاسات جديدة (احتار السجن في مقاس أغطية الدكتور أحمد نظيف بالطول غير العادي… وفي المقابل لم يجد أحمد عز القصير مسنداً خشبياً يستعيد به حجمه الضائع). الفضول في التلصص على حياة الأقزام ـــــ الآلهة، ربما تفوق أهميته الحدث السياسي نفسه.