الجزائر | مخاضٌ عسير يعرفه ملف تعديل الدستور في الجزائر، جعل مصيره معلقاً بين نتيجتين سلبيتين لا ثالثة لهما، الفشل أو التأجيل لربح الوقت. ورغم أن الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، عمار سعداني، كشف عن جدولة الموضوع خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2015، إلا أن المعارضة المتهمة بتعطيل تعديل الدستور برفضها المشاركة في المشاورات التي أطلقتها السلطة، تصر على تجاوز المسألة «التي أصبحت من دون جدوى» إلى المطالبة بانتخابات رئاسية مسبقة.


أزمة محتدمة بين المعارضة والأحزاب الموالية للنظام في الجزائر، وتصعيد شرس تراقبه الشخصيات القوية في الرئاسة ورجالات الظل في العسكر بهدوء تام، رغم أن الصراع هم قادته في الخفاء. لكن، حسب مصدر سياسي مقرب من دوائر السلطة كشف في حديث لـ«الأخبار» عن عزم المؤسسة العسكرية على التدخل لفضّ النزاع عبر مبادرة سياسية تنهي الأزمة الحاصلة في البلاد، والتي بدأت تتجه إلى صدام يتخوف منه الجزائريون بعد عشرية الدم والدمار خلال سنوات التسعينيات.
وما زاد من تعقيد الأمور انتقال المعارضة من مقاطعة جلسات الحوار حول تعديل الدستور التي تقودها السلطة إلى المطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة اعتبرها الأمين العام للحزب الحاكم عمار سعداني أنها «إهانة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة»، سبقتها اتهامات متبادلة بين الجهتين بلغت حد استعمال كلمة «الخيانة»، على خلفية استقبال أحزاب محسوبة على المعارضة لوفد من الاتحاد الأوروبي.
المختصة في القانون الدستوري، فتيحة بن عبو، شددت على أن إنتاج دستور دون توافق كل الأطراف، سيزيد من حجم الفجوة بين السلطة والمعارضة، وفي هذه الحالة من الأفضل ألا يعدل لأنه سيأخذ الجزائر إلى الهاوية. وأكدت بن عبو في حديث لـ«الأخبار» أن «اعتماد دستور دون توافق سيكون انعكاسه خطيراً على البلاد».
وتابعت القانونية قائلة إن «تعديل الدستور المنتظر لن يكون في مستوى تطلعات المواطنين ما لم يتبع بضمانات قانونية لا تنتهك النصوص الدستورية المقررة»، موضحةً أن «الجزائر رغم انضمامها إلى كل الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية ونص مختلف دساتيرها على بعض الحقوق، إلا أن التطبيق بقي غائباً وأصبح انتهاكها سمة تطبع الممارسات، كحرية التجمع وإنشاء الجمعيات والتظاهر وغيرها»، ودعت إلى «ضرورة تغيير تركيبة المجلس الدستوري وانتشاله من الدور السياسي الذي يقوم به إلى دوره القضائي المعروف».
وبات تأخر إعلان مصير تعديل الدستور يشكل مصدر ضغط على السلطة، لأن الأنظار في الداخل والخارج تنتظر هذه الوثيقة للحكم من خلالها على نيات النظام في إجراء الإصلاحات المطلوبة، خاصة مع الانتقادات غير المسبوقة لأحزاب المعارضة التي تجاوزت الدستور إلى مطلب بإجراء انتخابات رئاسية مسبقة.
وبحسب المراقبين، فإن أصعب ما يواجه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الكشف عن الدستور الجديد المعدل الذي تحدث عنه في العديد من المرات، وأكد مراقبون للوضع السياسي في الجزائر أن الفشل مرده «سوء نية» النظام الذي تحدث عن إصلاحات سياسية وتعديل دستوري في 2011، تخوفاً من انتقال رياح «الربيع العربي» إلى الجزائر، ما يعني أن الخطوة كانت غير مدروسة، لكن فرضها الواقع الإقليمي في تلك الفترة بغية إسكات الأصوات في الداخل والخارج، وأن الحاصل حالياً مع استمرار التأجيل إنما هو لربح الوقت، الأمر الذي فطنت إليه المعارضة ورفعت سقف المطالب إلى ضرورة تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة، متجاوزة فكرة التعديل إلى ما بعد الرئاسية.
وعن ذلك الأمر، أعلن المرشح الرئاسي الخاسر في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، علي بن فليس، في بيان اطلعت «الأخبار» عليه، رفضه «لإرادة السلطة في الذهاب إلى تعديل دستوري، الذي سيؤدي لا محالة إلى تعميق وتعقيد الأزمة الحادة والمتعددة الجوانب التي تمر بها البلاد، والمتمثلة في شغور السلطة وانعدام الشرعية لدى المؤسسات المنتخبة»، موضحاً أن «حل الأزمة السياسية في البلاد يتطلب تحقيق توافق وطني جامع وشامل، هدفه بناء شرعية حقيقية تكون مراجعة الدستور تتويجاً لها».
وشدد بن فليس على أن «الأزمة السياسية التي تمر بها الجزائر تقتضي حلولاً سياسية توافقية نابعة من الحوار الجاد والبناء، ما يضمن للبلد انتقالاً ديموقراطياً منظماً».
لكن السلطة، على لسان رئيس حزب الحركة الشعبية الجزائرية ووزير التجارة، عمارة بن يونس، اعتبرت أن انتقال المعارضة من الدعوة إلى إصلاحات سياسية وإلى دستور توافقي، إلى المطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة، لا يشارك فيها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، إنما تبحث عن تدخل الجيش أو المؤسسة العسكرية في السياسة، وإحداث انقلاب عسكري في البلاد.
وأشار بن يونس في حديث لـ«الأخبار» إلى أن هناك تطوراً خطيراً في خطاب أحزاب المعارضة.
بين النظام والمعارضة يستمر الصراع إلى أجل غير مسمى، يضع الجزائر في مواجهة مستقبل غير مضمون العواقب، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها داخلياً مع توسع دائرة الاحتجاجات الشعبية على المشاكل الكبيرة التي باتت سمة لمعاناة المواطن، وكشفت عن فشل السلطة في تسيير البلاد، وخارجياً مع تدهور الأوضاع الأمنية في دول الجوار، كليبيا وتونس ومالي، بالإضافة إلى التدهور الكبير لأسعار النفط الذي تعتمده الجزائر مصدراً لمداخيلها، وهو ما يؤثر مباشرةً في موازنتها المالية ويهدد بتعطيل التنمية على جميع المستويات.