صنعاء | في وقتٍ تزداد فيه معاناة اليمنيين جراء القصف العنيف والحصار الذي يفرضه العدوان السعودي على اليمن، لا يبدو، حتى الآن، طريق واضح لحلٍّ قريب يوقف العدوان ويعيد الوضع إلى السياق السياسي، على الرغم من مساعي روسيا التي تقدّمت إلى مجلس الأمن بمقترح قرار هدنة إنسانية. غير أن تصريح رئيس المجلس السياسي في جماعة «أنصار الله»، صالح الصماد، باستعداد الذهاب باتجاه حوارٍ بشروط معينة، يفتح كوة في جدار الحرب، وإن من ضفة واحدة في الوقت الراهن.


تساؤلات عدة تثار في الوسط السياسي اليمني والإقليمي حول العودة إلى طاولة الحوار واحتمالات الاستمرار من حيث توقفت المفاوضات التي كان يشرف عليها مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن، جمال بن عمر، ومدى إمكانية بقاء بن عمر نفسه في مهمة الإشراف عليها، خصوصاً في ظلّ معلومات تفيد بأن الرياض تصرّ على تغييره. وعلمت «الأخبار» من مصادر خاصة، أن هناك تحركات للحصول على توافق دولي في هذا الخصوص يلبّي رغبة السعودية في إبعاد بن عمر واستبدال مبعوث جديد به، وهو ما يعني بحسب محللين عودة الحوار إلى النقطة الصفر وهدم كل ما تم بناؤه برعاية بن عمر سابقاً، كذلك قد يكون مؤشراً على أن الحوار المقبل سيبنى على قواعد جديدة قد تفرضها السعودية التي تتهم بن عمر بالتواطؤ مع «أنصار الله».

تصرّ الرياض على استبدال
بن عمر بآخر لاعتباره «متواطئاً» مع الحوثيين

وفيما لا تزال السعودية تبرر عدوانها بمبررات عدة من ضمنها «فشل الحوار» و«رفض أنصار الله الحلول السياسية»، قال مصدر مسؤول في الجماعة، رفض الإفصاح عن اسمه، في حديث إلى «الأخبار»، إن الكلام عن فشل الحوار الذي كان جارياً برعاية بن عمر، «غير صحيح البتة»، مؤكداً أن الأطراف اليمنية كانت على وشك إعلان اتفاق نهائي بشأن شكل السلطة الانتقالية، وجرى التوافق على معظم تفاصيلها. وكشف المصدر أن السعودية استبقت إعلان الاتفاق بالبدء بالعدوان على اليمن، خصوصاً بعدما قوبلت دعوتها بنقل الحوار إلى الرياض وفق أجندات جديدة والعودة إلى النقطة الصفر بالرفض من معظم الأطراف المشاركة في الحوار.
وفي سياق الحديث عن توقف الحوار ومصيره، أفاد المصدر في «أنصار الله» في حديثه إلى «الأخبار» بأن الجماعة بصدد عقد مؤتمر صحافي يُكشَف فيه عن كل التفاصيل بشأن ما توصل إليه الحوار وفضح الأطراف التي كانت تعرقل التوصل الى حلول، لافتاً إلى أن «هناك الكثير من الأمور التي يفترض أن يعرفها الناس قبل البدء في أي حوار جديد»، وذلك في ضوء التصريحات الأخيرة للصماد الذي عبّر، في حديثٍ إلى وكالة «رويترز»، عن استعداد جماعته لإجراء محادثات سلام إذا توقف العدوان السعودي. وشدد الصماد الذي كان مستشاراً للرئاسة، أول من أمس، على «رفض اليمنيين عودة (الرئيس الفار عبد ربه منصور) هادي الذي فرّ إلى السعودية»، في إشارة إلى عدم قبول جماعته التفاوض حول عودة هادي إلى الرئاسة.
وبحسب معلومات، إن دولاً كبرى مثل روسيا والصين ودولاً أوروبية، تنتظر موقفاً إيجابياً من «أنصار الله» في اليمن تجاه العودة إلى الحوار، يمكن من خلاله الضغط نحو إيقاف العدوان والبدء بمفاوضات سياسية. وكانت موسكو قد تمكنت سابقاً من إفشال مشروع قرار تقدّمت به السعودية إلى مجلس الأمن يجيز وضع اليمن تحت الفصل السابع، وهو الموقف الذي أبقى العدوان السعودي خارج المشروعية الدولية، رغم محاولات مجلس التعاون الخليجي استصدار قرار من مجلس الأمن يسمح باستخدام القوة في اليمن.
أما على الضفة الأخرى، فلا تزال السعودية مصرّة على فرض واقعٍ جديد يمكنها من فرض حوارٍ تحت مظلّتها وفقاً لشروطها، وأبرزها إعادة قيادات حزب «الإصلاح» التي فرّت بعد 21 أيلول الماضي (تاريخ دخول «أنصار الله» إلى صنعاء)، وإعادة هادي ورجال حكمه إلى اليمن، وهو ما يعتبره «أنصار الله» مستحيلاً. إذ إن إعلان «أنصار الله» استعدادهم للعودة إلى الحوار مقابل إيقاف العدوان، رغم إيجابيته، يظلّ مفتوحاً على تساؤلات عدة، خصوصاً في ما يتعلق بمشاركة «الإصلاح». في هذا الخصوص يقول الصماد: «نحن ما زلنا على موقفنا من الحوار ونطالب باستمراره رغم كل ما حصل على أساس الاحترام والاعتراف بالآخر ولا نشترط سوى وقف العدوان والجلوس على طاولة الحوار وفق سقف زمني محدد»، مضيفاً أن الجماعة تطلب بثّ جلسات الحوار للشعب اليمني ليعرف من هو المعرقل. أما الإشارة الأكثر أهمية في حديث الصماد، فتبقى في قوله إن أي طرف دولي أو إقليمي ليس له مواقف عدائية من الشعب اليمني، بإمكانه أن يشرف على هذا الحوار». وهو ما يمكن عدّه إشارة إلى أن الحوار اليمني قد يُعقد في دولة لم تشارك في العدوان، قد تكون سلطنة عُمان التي تؤدي دور الوسيط اليوم. غير أن السؤال الأهم يبقى إذا كان الجماعة ستقبل بالجلوس على طاولة حوار واحدة مع قيادات «الإصلاح» في المستقبل وبوجود هادي.
وكان الملك السعودي سلمان، قد أعلن في وقتٍ سابق، استعداد المملكة لاجتماع سياسي للأطراف اليمنية تحت إشراف خمس دول من دول مجلس التعاون الخليجي المشاركة في التحالف العسكري. هذا الإعلان يصطدم مع كلام الصماد الذي اشترط أن يكون الحوار برعاية دول «ليس لها مواقف عدائية» من اليمن، في وقتٍ يأتي فيه الاقتراح السعودي ليقول: إما القبول بحوار كهذا أو استمرار العدوان. في المقابل، وبحسب أوساط «أنصار الله»، لقد بات من غير الممكن إعادة السلطة إلى قبضة القوى التي أسقطتها «ثورة 21 سبتمبر»، وفرّت إلى الخارج، خصوصاً تلك التي أيدت العدوان. يعزّز هذا الموقف، البيان الأخير لـ«الإصلاح» الذي أيد العدوان على اليمن، ما عُدّ صدمةً، خصوصاً أنه برّر مشروعيته العدوان عبر الاستناد إلى كل من ميثاق الأمم المتحدة ومجلس الأمن وميثاق الدفاع العربي المشترك في الجامعة العربية، وهو ما قوبل بردود قاسية وتفنيدات قانونية سخرت من ذلك السند. في هذا الوقت، رأى آخرون أن «الإصلاح» قد يكون حالياً في موقف صعب، ويعاني من ضغوطات سعودية كبرى، ولا سيما أن قياداته مقيمون في الرياض، بعدما تمكنت السعودية من لمّ شملهم من دول إقليمية عدة، واعدةً إياهم بإعادتهم إلى اليمن، وهو ما اعتبروه فرصة سانحة وخياراً لم يجدوا بدّاً من الانصياع له، وإن كانت عواقبه كارثية على مستقبل الحزب.