"ليش هويتك هيك مشلخة ومبهدلة؟" سؤال يطرحه عناصر الجيش اللبناني على اللاجئ الفلسطيني كل يوم على حاجز كل مخيم، يعرفون إجابته، ومع ذلك يطرحونه. فيجيب الفلسطيني، لكن بعد أن يقطع الحاجز بثوان معدودات، وذلك حتى لا "يتمرمر ويتمرمط" إذا جاء الرد في وجه العناصر "مش عاجبتك هويتي، خلي دولتك المحترمة تصغرلنا هيّه، شو ذنبنا إحنا إذا هالقد قدها".

الهوية الزرقاء أو بطاقة التعريف الخاصة بنا كفلسطينيين لاجئين في لبنان، لا تشبه على الإطلاق شكل أي هوية في هذا العالم. زرقاء اللون، مكتوب عليها بالأسود عن طريق الطابعة، وبالأزرق بخط اليد، طولها يبلغ اثني عشر سنتمتراً ، وعرضها ثمانية سنتمترات تقريباً.
البعض يطلق عليها غاضباً أو ساخراً، اسم "حفاي"، كلمة فلسطينية تعني "حذاء"، أو " لحاف" لأن حجمها كبير نسبة إلى حجم بطاقات التعريف الطبيعية. يقال إنه قديماً، كان الفلسطينيون يضعون بطاقاتهم في كيس خبز، أو كيس أسود مع بقية أغراضهم، إذ لا محفظة تستوعب حجم هويتهم، والبعض الآخر يطويها مرتين أو أكثر، ما يسبب إتلافها مع مرور الوقت.

عندما أكون في سرفيس على الحاجز اللبناني للمخيم، ويطلب مني هويتي، أشهرها دون التفكير بشيء، إذ بات أمراً روتينياً، وكل من يشاركني السرفيس فلسطيني مثلي، لكن الأمر يختلف إذا طلب مني ذلك وأنا في فان للنقل العام على حاجز غير حاجز المخيم. ذلك اني اخرجها بتأن وكلي عيون، أترقب نظرات الناس تتفحصني، او تتفحص ساخرة ربما البطاقة الزرقاء الحقيرة.
لست خجلة من فلسطينيتي، بالعكس أنا فلسطينية "وعلى راس السطح"، بل لأني لا أريد أن تنخر جسدي نظرات العنصرية والتعالي والأحكام المسبقة. عندما اخرج هويتي سيعرفون فوراً أنني فلسطينية، أخذت مكاناً، مرقد عنزة ما، في لبنانهم الصغير الكبير، أو أخذت وظيفة ربما كانوا هم أولى بها، استهلكت مساحة من بلدهم أنا وعائلتي، وتنشقت هواءهم.
قد يظن البعض أني أبالغ، لكن لا! وإثباتاً، سأروي لكم قصة حصلت معي وأنا صغيرة تؤكد طريقة تفكير بعض اللبنانيين. كنت وأخواتي نسبح في نهر القاسمية في الجنوب على طريق صور، حين جاءت فتاتان لبنانيتان، تعرفتا إلينا، وعندما عرفتا أننا فلسطينيات، تغيرت معاملتهما لنا، وطلبتا منا «مغادرة النهر»، فهذا نهرهما، ونهر للبنانيين فقط، وعلينا العودة إلى فلسطين لنسبح.
لم تحدد الفتاتان لنا ان كان علينا العودة سباحة، الا اننا قلنا لهما اننا ولدنا هنا وترعرعنا هنا ولا نعرف فلسطين الا بالاسم، واننا لذلك سنواصل السباحة وليس باتجاه فلسطين! حوادث كثيرة تجعلني أتجنب ان أشهر جنسيتي، بخاصة عندما أكون بين لبنانيين، أعرف مسبقاً، انهم لا يطيقون طيف الفلسطيني، لكن كثيراً ما تكشف هويتي، بلونها الأزرق البارز، المستور.
فعلاً، أحسد من يملك بطاقة صغيرة "منمنمة". فهذا بحد ذاته، بالنسبة لي، امتياز.
لذا فلتذهب بطاقتنا الزرقاء إلى الجحيم.