«أيها الرغيف أنت وثيقة الاستسلام التي تقدم لنا كل صباح»، هكذا تختصر جملة الشاعر السوري الراحل محمد الماغوط أيام السوريين، مع مضيّ الذكرى الرابعة التي مهّدت لبدء الحرب السورية. وهكذا شاءت الحكومة السورية، أو لعلّها قصّرت، فتمخّضت أزمة الأسبوع الفائت، أخيراً، عن ولادة «رغيف عجيب»، ذي لون أسمر، يوحي برداءة الصنع، وكأن الشعب يخضع قسراً لحمية غذائية قاسية عن الخبز الممتاز الذي لطالما قدّمته المخابز العامة.

بدأت أزمة الخبز منذ ما يزيد على أسبوع، في مخابز اللاذقية العائدة ملكيتها إلى الدولة السورية.

الشائعات كثرت في المدينة الساحلية حول مصير معامل الخميرة في البلاد، والتي سيطر عليها المسلحون تباعاً. غير أن السبب الشائع المتعلق بنقص الخميرة لا يبرر النقص الحاد في كمية إنتاج الخبز في المدينة، بنحو لم تشهده بقية المحافظات. توافر الخبز في الأفران الخاصة ألّب أهالي المدينة على الحكومة السورية، مخلّفاً شكوكاً حول حالات تلاعب من قبل مسؤولي المدينة وأصحاب المخابز الخاصة، ولا سيما في ظل امتناع المسؤولين عن الإدلاء بأي تصريح لتوضيح اللبس الحاصل. وبحسب مصادر رسمية في المحافظة، فقد «سبّبت أزمة نقص إنتاج الخبز، خلال الأسبوع الفائت، مخالفة بعض الأفران وإغلاقها، لأسباب تتعلق بالجودة والوزن». وتضيف المصادر أن «إغلاق بعض المخابز ترافق مع شائعات أدت إلى تهافت المواطنين على شراء كميات كبيرة من الخبز وتخزينها، ما ولّد لدى بعض تجار الأزمة فرصاً جديدة للاستغلال».


رفعت الحكومة السورية سعر
ربطة الخبز 10 ليرات
منذ شهرين


وكان مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في دمشق، عدي شبلي، قد تحدث في تصريح صحافي قبل أيام من أزمة الخبز، عن ضبط حالات من الفساد والهدر في عمليات إنتاج الخبز وتوزيعه، وعزا تلك الحالات إلى تهريب مخصصات الدقيق التمويني من المخابز الحكومية إلى الأفران الخاصة. كلام شبلي جاء رداً على تنظيم 32 ضبطاً متعلقاً بالدقيق التمويني خلال الشهرين الأولين من السنة الحالية، إضافة إلى مصادرة 143 كيساً من الدقيق المهرب واسترجاع 163 كيساً زائداً عن الحاجة في الأفران، حسب تصريح الرجل لصحيفة الوطن السورية.
مرحلة جديدة من عمر الحرب السورية، بعد أزمة الخبز الحاصلة في اللاذقية تحديداً، إذ وصل سعر ربطة الخبز الواحدة خارج الأفران الحكومية إلى 300 ليرة، بعد أن كانت لا تتجاوز 35 ليرة، ليتم حل الأزمة في البلاد، خلال أيام، لكن بخسارة الخبز لونه الفاتح، وتحوله إلى لون أسمر، عائد إلى إضافة مادة النخالة إلى العجين، باعتبار الخميرة المتوافرة حالياً غير ملائمة لنوع الطحين المتوافر. مصادر عدة من المخابز الحكومية في مدينتي دمشق واللاذقية شرحت لـ»الأخبار» أن «الخميرة الموزعة غير نشطة، وهي لا تتناسب مع العجين، باعتبارها مستوردة من الصين وروسيا على شكل (بودرة)»، في حين «يتوافر لدى الأفران الخاصة فائض من الخميرة الطرية، بسبب قلة كمية إنتاج هذه الأفران التي لا تغطي أكثر من ربع سكان المدينة، بالمقارنة مع ضخامة إنتاج الخبز في أفران الدولة». وتوضح المصادر أن «تزويد المحافظة بالخميرة الطرية سيعود خلال مدة أقصاها أسبوع».
السوريون سارعوا إلى السخرية من الأزمة الحاصلة، كما جرت العادة، وذلك في ظل نفي المسؤولين عن الأفران إمكان استعادة جودة الرغيف، خلال وقت قريب. المخابز الخاصة وجدت ضالتها في مواطنين استغنوا عن الخبز المدعوم، الرديء الصنع، وسارعوا إلى دفع ما يزيد على 150 ليرة ثمناً لربطة خبز من النوع «السياحي»، كما يسمّيه السوريون. أمرٌ يبرره هاني، موظف حكومي، بقوله: «لم نعتَد هذا الخبز الأسمر السميك، والمحشو بالعجين. بادرنا إلى دفع 300 ليرة لشراء ربطتي خبز سياحي، تكفيان عائلتنا لمدة يومين، ريثما يتم حل أزمة الخبز الحالية». ويضيف الرجل ساخراً: «ريجيم إجباري... شافو الشعب زايد وزنو. وتطبيق عملي لمطالبة هالشعب بالتقشف»، في حين يخشى أبو زياد، رب أسرة خمسيني، من أن يكون التقصير في مسألة جودة الرغيف، وعدم التقصي عن سبب حدوث الأزمة التي دامت أسبوعاً، يعودان إلى أسباب تتعلق بزيادة قادمة في سعر الخبز، وهو ما لا طاقة للشعب على تحمّله مجدداً.
يأتي ذلك بعد شهرين من رفع الحكومة السورية سعر ربطة الخبز 10 ليرات، بعد أن كان سعر الربطة المكوّنة من 8 أرغفة لا يتجاوز 25 ليرة.