جملة الردود الدولية أوقفت أخيراً الاندفاعة المصرية نحو ليبيا، التي يثبت يوماً بعد يوم أن أزماتها صارت جزءاً من الأمن القومي لمصر. كل ذلك يتقاطع مع تهدئة على صعيد الدبلوماسية المصرية ـ الخليجية تسعى إليها القاهرة أولاً، والرياض ثانياً، وقد يكون للدوحة رأي مشابه، إذ إن اختلاف المصالح ما بين بنغازي وطرابلس، لا يجب أن يجرّ ـ وفق كثيرين ـ الويلات على المستوى السياسي العربي المهترئ أصلاً.


فعلى وقع التأكيدات الدولية المتتالية منذ نحو أسبوع، والقاضية بأن لا حل عسكرياً في ليبيا تقوده مصر، شددت مصادر دبلوماسية مصرية على أن القيادة المصرية لم تكن منذ البداية قد قررت أي تورط في حرب برية غرباً، موضحة أن بلادها «لم تأخذ خيار الحرب، وإنما ألزمت نفسها الردّ على همجية الإرهاب، لأنه ليس وارداً أن تسمح بقتل أبنائها ولا تفعل شيئاً».

تقاطع مسؤولون مصريون وخليجيون
في تأكيد تجاوز
الأزمة الأخيرة

ولعل ما تناقلته المصادر الليبية والدولية عن سقوط مدنيين في الغارات المصرية قد جعل القاهرة في مقاربة صعبة واجهت دمشق قبلها، وهو العامل الذي أسهم في تخفيف الضربات الجوية، مع أن المصادر الدبلوماسية نفسها أكدت مراراً أن «الجيش لم يستهدف مدنيين، بناءً على أن المراكز المستهدفة محددة بدقة عبر مراقبة استخبارية طويلة بالتعاون مع الحكومة الشرعية في ليبيا (حكومة طبرق) التي جربت الضربات بالتنسيق معها». هذا الحديث عن التنسيق مع حكومة عبد الله الثني يضعف قيمة ما أخرج في اليومين الماضيين من تسريبات «تفضح التدخل المصري في الشأن الليبي»، إذ إن الإفصاح في أكثر من تصريح رسمي مصري عن التنسيق المسبق يعني بالضرورة وجود «علاقة قوية».
وبالعودة إلى التدخل، لا يمكن إخراج مصر من سياق ما تراه الولايات المتحدة في المنطقة، وهو ما تقر به المصادر التي تحدثت إلى «الأخبار»، مشيرة إلى أن واشنطن لم تكن «موافقة على ضرب داعش في ليبيا». وبينما رأت المصادر أن «مصر ترغب في المساعدة على إنشاء جيش يتولى حماية الاستقرار في ليبيا، فإن أميركا تعارض ذلك، بل تمنعه عبر فرض حظر السلاح»، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن كل ما أثير عن صفقة طائرات الرافال مع فرنسا وربطه بعودة فرنسية إلى المنطقة عبر البوابة المصرية «غير دقيق»، إذ إنها «صفقة تقنية ذات مردود اقتصادي ومالي على فرنسا التي ليس لها شروط سياسية علينا».
من هنا تنطلق المصادر لتؤكد أن «مصر ليست بندقية للإيجار، وهي أيضاً ليست بندقية للأصدقاء، فالعقيدة القتالية لجيشنا تركز على حماية الوطن فقط». وبشأن الحديث عن التدخل السعودي في صوغ سياسات البلاد الخارجية، قالت: «الكلام عن استعمال الرياض للقاهرة لا يعبّر عن فهم حقيقي لواقع العلاقات المصرية ـ الخليجية، فبغض النظر عمّا يشاع وبعض ما يتمناه الخليجيون، لكن بلادنا ليست في وارد الانقياد إلى رغبات الآخرين».
جزء مما قيل أعاده وزير الخارجية المصري، سامح شكري، في مؤتمر جمعه مع نظيره الأميركي، جون كيري، أمس، إذ قال إن «مصر ثابتة في حربها ضد الإرهاب سواء في الوطن أو المنطقة وتظل مصممة وعازمة على تقديم المساعدة إلى التحالف (الدولي) ضد داعش وغيرها». وشدد شكري على أن بلاده ستواصل «التعاون الفعال مع الولايات المتحدة وشركاء آخرين، لأننا نعرف المخاطر التي تشكلها هذه التنظيمات على استقرار المنطقة».
أما كيري فقال إنه ونظيره شكري التقيا الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، لبحث الأزمة الليبية، مبيناً أن «مصر شريك حاسم في هذه الجهود»، في وقت خلص فيه الاثنان إلى أن «الحوار السياسي هو السبيل الوحيد للخروج من الأزمة الليبية». وهو الأمر نفسه الذي أعاد تأكيده الأمين العام للجامعة العربية، نبيل العربي، الذي قال إنه تواصل مع بان، وشددا على «إيجاد حل سياسي عاجل لقضايا الصراع في ليبيا».
بشأن الزوبعة التي أثارها بيان مجلس التعاون الخليجي تعليقاً على تصريحات مصرية ضد الدوحة، نقلت وكالة «الأناضول» عن مسؤول دبلوماسي مصري، أن اتصالات دبلوماسية مكثفة جرت بين القاهرة ودول مجلس التعاون، خلال الساعات الماضية، لاحتواء الأزمة. وأكد المسؤول، أمس، أن «الاتصالات أدت إلى تغير موقف مجلس التعاون من العملية المصرية ضد الجماعات المسلحة في ليبيا، من التحفظ إلى التأييد». ولفت إلى استمرار «الوساطة الخليجية بين مصر وقطر لإتمام بنود المصالحة بينهما».
أيضاً، أعلن الأمين العام لمجلس التعاون، عبد اللطيف الزياني، أمس، أن «دول مجلس التعاون تؤيد كل ما تتخذه مصر من إجراءات عسكرية ضد الجماعات الإرهابية في ليبيا».