القاهرة | مع بدء العد التنازلي لانعقاد القمة الاقتصادية، في آذار المقبل، التي يعوّل عليها النظام المصري لانتشاله من عثرته، لم يجد القائمون على إعداد قانون الاستثمار المعد لجذب الاستثمارات الهاربة من الروتين والبيروقراطية، أفضل من النص على إنشاء مجلس أعلى للاستثمار برئاسة رئيس الجمهورية.

المجلس سيعنى برسم السياسات العامة، وتكون له الوﻻية على أراضي الدولة. ورغم المفارقة في قانون من المفترض أنه يرسخ مفهوم اللامركزية، فإن ترداد اسم الرئيس، عبد الفتاح السيسي، للترويج للقانون الجديد كان مقصوداً، حتى تتوارى الخلافات التي خلفتها مسودة وزارة الاستثمار (راجع العدد ٢٤٩٢ في ١٤ كانون الثاني) بين وزارات الإسكان والتجارة والصناعة والتنمية المحلية وحتى الدفاع، بسبب رفض هذه الوزارات نقل وﻻيتها على أراضي الدولة لمصلحة هيئة يرأسها وزير الاستثمار، وهو ما أدى إلى تراجع وزير الاستثمار نفسه عن مقترحه.

وبعد إخفاق الحكومة، خلال الأشهر الستة الماضية، في إعداد مسودة مقبولة لقانون الاستثمار، كلف السيسي في نهاية كانون الثاني الماضي، وزير العدالة الانتقالية (إبراهيم الهنيدي) بوصفه مقرر اللجنة العليا للإصلاح التشريعي، بإعداد مسودة للقانون في وقت قصير، وهو ما تبعه تكليف الوزير عشرة مستشارين من الأمانة العامة للجنة لإعداد مسودة جديدة للقانون تتلافى الاعتراضات، كلها، التي وجهت إلى المسودات الثلاث عشرة السابقة.

القانون الجديد يلزم المستثمر بتنفيذ مشروعات تخدم المجتمع بنسبة لا تتجاوز 2%

استغرق إعداد المسودة الجديدة عشرة أيام، وتضمنت 125 مادة (مقابل 95 مادة فقط لمسودة وزير الاستثمار القديمة)، أبرزها ترجمة فكرة الشباك الواحد الذي يوفر للمستثمر التراخيص التي توفرها 78 جهة اقتصادية في جهة واحدة تحت اسم «النافذة الاستثمارية»، وذلك عن طريق «مكاتب الاعتماد»، حتى يكون عندها جميع البيانات المتوافرة لدى الوزارات والجهات الحكومية. من هنا، يحصل المستثمر على شهادة باستيفائه الشروط اللازمة لاستخراج التراخيص، وبموجبها يتوجه المستثمر إلى المندوب المفوض لكل جهة وزارة في الهيئة العامة للاستثمار (واحدة من أربع هيئات استثمارية منصوص عليها في القانون) ليحصل على الترخيص خلال 30 يوماً فقط!
رئيس لجنة إعداد القانون الجديد، شريف الشاذلي، أوضح أن «اللجنة استعرضت قوانين الاستثمار العالمية وحرصت في مسودتها على الوصول إلى المعايير المتفق عليها عالمياً للاستثمار، فاستحدثت تنظيماً جديداً للمسؤولية المجتمعية للمستثمر، بمعنى التزام المستثمر بتنفيذ مشروعات تخدم المجتمع بنسبة لا تتجاوز 2 في المئة من أرباحه وتحسم من ضرائبه».
ولفت الشاذلي، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن «الدولة ستتولى إنشاء مؤشر تحدد من خلاله سنوياً أفضل الشركات التي تضطلع بمسؤوليتها المجتمعية وإعطاء حافز لأفضل الشركات مع الترويج لها». ووفقاً لقوله، فقد تم ربط الحوافز والإعفاءات الضريبية للمستثمرين بطبيعة الإقليم الذي ينشأ فيه المشروع، مضيفاً إنه سيجري منحها من المختصين وفق الأقاليم، سواء المهمشة أو النائية أو التي في مناطق محرومة غير الرائدة اقتصادياً.
من جهة أخرى، وصف أستاذ الإدارة والاستثمار في جامعة «قناة السويس»، هشام إبراهيم، المسودة الأخيرة للقانون بأنها نسخة معدلة من مسودة وزير الاستثمار، معتبراً أن القانون الجديد ما هو إﻻ تعديل للمواد الخلافية الثماني التي كانت في مسودة وزير الاستثمار. ولفت إبراهيم، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن وزير العدالة الانتقالية حرص على تشكيل مجلس أعلى للاستثمار يرأسه رئيس الجمهورية «استجابة لرفض محافظ البنك المركزي ووزير الدفاع وعدد من الوزراء أن تكون عضويتهم في الهيئة العامة تحت رئاسة وزير الاستثمار».
وأوضح الأستاذ الجامعي أن النسخة الأخيرة للقانون «استجابت لرفض الكثير من الوزراء نزع وﻻيتهم على أراضي الدولة بالنص على وجود مندوب مفوض لكل وزارة في الهيئة العامة للاستثمار، رغم أن هذا الأمر لم يحل مشكلة التنسيق بين أجهزة الدولة»، مشيراً إلى أن «الحكومة حاولت إرضاء كل الأطراف ولم تعلِ شأن المنفعة العامة».
في المقابل، أبدى مدير «المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، خالد علي، معارضته للقانون حتى في صورته الجديدة، مضيفاً إن «النسخة الأخيرة لقانون الاستثمار، وإن حرصت على ذر الرماد في العيون بالحديث ضمن الأحكام الختامية للقانون على المسؤولية الاجتماعية للمستثمر ومشاركة العمال في مجلس إدارة الشركات وأرباحها، فإنها في مجملها تفتقر إلى الرؤية الواضحة لاستراتيجية معينة للاستثمار».
وشدد علي لـ«الأخبار» على أن «القانون لا يزال يضم موادّ تمنع الطعن في كل الجرائم التي ترتكب من المستثمر قبل أخذ موافقة الهيئة العامة للاستثمار، ويعطي للرئيس بدلاً من رئيس الحكومة سلطة تخصيص أراضي الدولة دون مقابل أو تحديد ضوابط معينة أو حتى التزامات على المستثمر المصري والأجنبي للحصول على هذا الامتياز الذي يصل إلى حد التفريط».
وطبقاً لقوله، فإن القانون يمنح أيضاً الشركات الأجنبية تملك الأراضي والعقارات اللازمة لها مهما تكن جنسية المساهمين، ولم يستثن من ذلك سوى مشروعات الطاقة النووية والتسليح.
إلى ذلك، يزور رئيس الوزراء، إبراهيم محلب، دولة الإمارات ليعرض على المسؤولين هناك فرص الاستثمار في مصر، ومنها مشروع قناة السويس الجديدة، وتنمية قناة السويس، والمشروع القومي للطرق. كما جرت خلال اللقاءات مناقشة عدد من المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي يمكن دعمها من الجانب الإماراتي، فضلا عن متابعة برنامج «التدريب من أجل التشغيل» الذي يتبناه صندوق الشيخ خليفة بن زايد بالتعاون مع وزارة التجارة والصناعة، لتدريب ١٠٠ ألف شاب مصري.