ممنوع على الفلسطينيين وضع مناهجهم التربوية من دون «اللمسات الإسرائيلية». أما إسرائيل فترفض بالطبع المسّ بأي حرف من «روايتها» لتاريخ فلسطين، حتى لو كانت «مختلقة وغير منطقيّة»، باعتراف المؤرّخين الإسرائيليين


فاتن الحاج
روايتان، فلسطينية وإسرائيلية للتاريخ في المناهج التربوية الفلسطينية. هذه هي آخر «إبداعات» السلطة الوطنية الفلسطينية التي صدّقت، منذ نحو أسبوعين، على كتابَي تاريخ رسميين في الأراضي المحتلة يقاربان الأحداث التاريخية من وجهتي النظر الفلسطينية والإسرائيلية. القرار لم يكن مفاجئاً، على الأقل بالنسبة إلى التربويين الدوليين، ما دام «الإسرائيليون يقفون بالمرصاد لأي محاولة وطنية لوضع مناهج تربوية فلسطينية منذ معاهدة السلام في أوسلو عام 1993»، كما يقول لـ«الأخبار» أويفند نوستروم، مستشار منظمة اليونسكو في الضفة الغربية وغزة.
يروي نوستروم ما حصل في عام 2005 حين قررت السلطة الفلسطينية وضع مناهج تربوية، فطوّق الإسرائيليون العاملين على المناهج وحاصروهم في منازلهم في رام الله، «لينجز» هؤلاء في ما بعد مناهج وافقت إسرائيل على تفاصيلها.
بدا المستشار التربوي النروجي مستاءً من حجم التدخلات الإسرائيلية في المناهج الفلسطينية، فالحكومة الإسرائيلية تسارع، كما يقول، إلى حذف العبارات والمقاطع والنصوص التي تقول إنّها «تحرّض على معاداة الصهيونية وتغذّي النزاعات بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي».
لا يعرف الرجل «كيف ستكون ردود الفعل على مثل هذا القرار الذي يُقرّ بالرواية الإسرائيلية للوقائع التاريخية»، في وقت لا تبدي فيه إسرائيل، كما يقول، أي استعداد لتغيير أي معلومة أو معطى تاريخي تدرّسه لطلابها في كتب التاريخ المعتمدة لديها. هذه الكتب تغفل على سبيل المثال، بحسب نوستروم، وقائع النكبة الفلسطينية في عام 1948 وكل عمليات بيع الأراضي والنزوح التي رافقتها.
وعلى هامش منتدى «التعليم كأساس للتنمية: تحدّي الشعوب في ظل الاحتلال» الذي أنهى أعماله في بيروت الجمعة الماضية، يلفت نوستروم إلى أنّ الباحثين التربويين الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء باتوا مقتنعين بأنّ وضع مناهج وكتب مدرسية فلسطينية أقرب، للمفارقة، إلى الحلم والكابوس في آن. وينقل عن نوريت بيليت، باحثة إسرائيلية، قولها إنّ المناهج الإسرائيلية «تحرّض على الكراهية تجاه العرب والفلسطينيين وعدم قول الحقيقة في ما يتعلق بالتاريخ». كذلك أثبت العديد من المؤرخين الإسرائيليين، بحسب نوستروم، «أنّ الكتب المدرسية الإسرائيلية غير منطقية ومختلقة».
ماذا عن التلامذة الفلسطينيين؟ هل يعرفون جيداً تاريخهم وهويتهم؟ ينفي نوستروم كل ما يقال عن أنّ التربية الوطنية تراجعت في المدارس الفلسطينية. يقول: «كم أنا مفاجأ بكمية المعلومات التي يعرفها التلامذة عن فلسطين». وهذا يعود، برأيه، بالأساس إلى المعلم «الذي لم ينتظر المنهج لينمّي لدى تلامذته الشعور الوطني والتمسك بالقضية».
وخلال مداخلته في المنتدى عن المناهج والتعليم في غزة والضفة الغربية، أوضح نوستروم أنّه لا يكفي أن تؤلف وزارة التربية والتعليم الفلسطينية الكتب المدرسية، بل هي مطالبة بوضع مناهج تعكس رؤيتها في تدريس القضية الفلسطينية «ما هي فلسطين؟ وكيف سنعلمها لأطفالنا؟». رأى أنّ التحدي الأساسي أمام السلطة الفلسطينية هو خلق نظام تعليمي يتماشى مع الصعوبات التي يفرضها الاحتلال. فالسلطة التي قامت، كما قال، بجهود حثيثة لدعم التعليم وفق معاهدة جنيف لم تفلح في أن يكون لها نظامها التعليمي الخاص، لكون الإسرائيليون يتحكمون بكل مفاصل هذا النظام. الوضع التربوي في فلسطين غير مُطمئن، بحسب نوستروم، فالمدارس لم تعد المكان الأكثر أماناً، كما كانت تراهن الأمم المتحدة دوماً وتشجع على استمرار التعليم فيها. ثم يعرض المستشار النروجي أمام المشاركين في المنتدى صورة مثيرة للاهتمام لمدرسة للبنات في الأراضي المحتلة، قبل أن يعلّق قائلاً: «إذا نظرتم إلى هؤلاء الفتيات فستجدون الرفض يرتسم على وجوههن، فلكل منهن قصتها الخاصة مع الاحتلال». صورة أخرى يحضرها الرجل لطالبة غزاوية في السادسة عشرة من عمرها تحمل حقيبتها وتضع نظارات سوداء. تتساءل عن سبب استخدامها للنظارات وهي في طريقها إلى مدرستها، فيُخبرك نوستروم القصة وهي أنّ الطالبة تعرضت للضرب والاعتداء على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي عند الجدار الفاصل أو جدار العار، كما يسميه. ويلفت إلى أنّ الطلاب لا يسلمون من الاصطدامات والتفتيش في المنطقة (ب) التابعة سياسياً للسلطة الفلسطينية، لكنها خاضعة لسيطرة أمنية إسرائيلية. هنا يتحدث عن حركة تضامن دولية جمعت متطوعين يرافقون الطلاب الفلسطينيين لاجتياز الحواجز الإسرائيلية.
أما في المنطقة (ج)، حيث السيطرة السياسية والأمنية الإسرائيلية، فلا يسمح للفلسطينيين، كما يقول نوستروم، بشراء مواد البناء، فيما يسمح في المقابل للإسرائيليين ببناء مدارسهم. لكن إصرار الشعب الفلسطيني على متابعة التحصيل التعليمي مهما تكن الظروف جعله، بحسب نوستروم، يخترع الأبنية المدرسية في هذه المنطقة، مستخدماً أطر السيارات جدراناً وأسقفاً، خاتماً بالقول وووجهه يعجّ بالانفعال «كم يستحقّون التقدير!».



يشير إيفند نوستروم، مستشار منظمة الأونيسكو في غزة والضفة الغربية، إلى النسبة المرتفعة للبطالة في صفوف المتخرجين من الجامعات الفلسطينية، عازياً السبب إلى المشاكل العديدة التي تشوب النظام التعليمي غير المتناسب مع حاجات سوق العمل. كذلك لا يخفي المستشار النروجي ازدياد نسب التسرب المدرسي في صفوف الشهادة الثانوية بحثاً عن فرصة عمل مناسبة، وهي ظاهرة لم تكن مألوفة سابقاً، كما قال، فالفلسطينيون كانوا يتمسكون على مر تاريخهم بتعليم أبنائهم، غير آبهين بالحواجز.